الألعاب الإلكترونية رؤية للتغيير
في بيت العائلة الكبير ، كانوا يجتمعون كل أسبوع فيملئون البيت صخباً وصراخاً وضجيجاً ، وعلى الرغم من الإزعاج الذي كانوا يسببونه إلا أن هذا الجو الصاخب كان مشبعاً بروح الألفة والمحبة والمودة التي كانت تنمو مع الأيام فتزيد صلاتهم قربى وترابط
إلا أن هذا اليوم كان مختلفاً فقد اجتمع أطفال العائلة كعادتهم..ولكنهم أصبحوا منفردين متشرذمين لا يكاد يشعر واحدهم بالآخر ، بل لا يكاد يشعر أحدهم بمن حوله..وقد تحلَّق كل منهم حول شاشة جهاز الجوال الذي تمتلكه أمه أو أبوه يلعب وحده ويحرز النتائج ويكسب النقاط ..يحاول وحده ويخفق وحده وينجح أو يفشل وحده ، دون أن ينظر أحدهم لوجه الآخر أو يبادله كلمة..وكان الضحية صغار العائلة الذين وجدوا أنفسهم منبوذين لا يعرفون ماهية هذه الألعاب ولا كيفية المشاركة فيها..كان الضحية هذه البهجة المفتقدة والألفة الضائعة والصلات المتآكلة..
لعل المتأمل لهذا المشهد يدرك أثر "الفيديو جام والألعاب الإلكترونية" وما تتركه من أثر سلبي على شخصية الطفل..
فعالم ألعاب الفيديو عالمٌ خاص.. عالمٌ متخيل.. عالمٌ مختلق ، يغوص فيه الطفل بحواسه وأفكاره ومدركاته عبر مجموعة من الصور الملونة والمتحركة التي تجذبه إليها حيث يسبح فيها كفرد منها لاعباً ومنافساً ومبارزاً ..تغرقه في تفاصيلها وتستلبه بمكوناتها المثيرة وتحتويه بمغامراتها..يعيش فيها بعيداً عن الواقع في عالم من الخيال ليحرز النقاط والنجاحات والبطولات الوهمية الزائفة..
قد يكون نوعاً من المرح واللهو البرئ يجذب أطفالنا ويشغلهم بتفاصيل اللعبة ..
ولكن من المؤكد أن هذه الألعاب لها خطورتها وجوانبها السلبية على عقلية ووجدان أطفالنا..
* البطولة الزائفة:
فهذه الألعاب تسرق وجدان أطفالنا وتجعلهم يعيشون عالماً من المغامرات الوهمية التي يشارك فيها الطفل ويصبح فرداً منها ، وهو بهذه الحركات البسيطة عبر الأزرار والمفاتيح يحقق انتصارات قوية ومبهرة لمدركاته وحواسه..على هذا العدو الوهمي الذي يتمثل في صورة وحش أو مقاتل بارع أو عقبة تقف في طريقه..وهو بهذا يحقق هذه الانتصارات دون جهد يذكر..
* مهارات مفقودة:
فعلى الرغم مما يقال أن ألعاب الفيديو تستثير مدركات الأطفال وحواسهم وتنمي لديهم بعض القدرات الذهنية ..إلا إنها تضيع الكثير على هؤلاء الأطفال مما يمكن أن يكتسبوه على أرض الواقع وعلى سبيل المثال لا الحصر:
- المهارات الاجتماعية :
فألعاب الفيديو تجعل الطفل يعيش حالة من العزلة والانطوائية .. والإدمان عليها يفقده مهارات التواصل والتلاحم مع الآخرين..مما يجعله شخصا غير اجتماعي يفتقد للمهارات الاجتماعية التي تساعده على النجاح في حياته..
- المهارات الحركية:
فألعاب الفيديو لا تتطلب من الطفل أكثر من تحريك يده على الأكثر للضغط على بعض الأزرار والمفاتيح..في حين يتعطل سائر جسده عن الحركة والتطور والنمو..مما يجعله غير لائق جسدياً للقيام بأي نشاط حركي في المستقبل..
- المهارات الذهنية:
فأغلب ألعاب الفيديو تعتمد على قدرات ذهنية محدودة..في حين تتعطل بقية المهارات والقدرات الأخرى كالفك والتركيب والتحليل والنقد والاستنتاج والتنبؤ..وهو ما يولده وينميه احتكاك الفرد بالجماعة من خلال المواقف الحياتية المختلفة..
- القدرة على التخيل:
فعلى الرغم من أن ألعاب الفيديو هي عالم متخيل..إلا أنها تقدم للطفل الخيال الجاهز الذي لا يتعب في صناعة أجزائه ، في حين أن الألعاب العادية مثل الدمى والمكعبات وغيرها تساعد الطفل على تخيل ما يمكن أن يصنعه بهذه اللعبة الجامدة..وتجعله يستخدم أكثر من مهارة ليجعل منها لعبة متفاعلة معه ، كتحريكها وتركيبها وتقليد الأصوات مثلاً..
- عدم القدرة على تحمل المسؤولية:
فالطفل يعيش عالماً من البطولات السهلة والانتصارات غير المتعبة..التي لا تعوده على الكد والاجتهاد وتحمل المشقة للوصول إلى هدفه..وهذا ينعكس على تصوره لعالم الواقع..الذي قد يعجز عن مواجهته ويعجز عن تحقيق أهدافه من خلاله..مما يجعله يفر مجدداً لعالم البطولات السهلة والانتصارات السريعة..
- عدم القدرة على الشعور بالغير:
فكيف بطفل يغرق لساعات في لعبته وهو مشيح بوجهه عن أفراد عائلته وصلات أرحامه..وقد أكدت دراستان أمريكيتان نشرتا مؤخراً في مجلة "سايكولوجيكل ساينس" أن الأشخاص الذين يداومون على ألعاب الفيديو وأفلام العنف أقل شعوراً بالآخرين ؛ حيث تنخفض لديهم مشاعر الإيثار وحب الغير ، بل إن الطلاب الذين يداومون على ألعاب الفيديو كانوا أقل تفاعلاً مع موقف إنساني تم عرضه عليهم ، في حين أبدى الفريق الآخر ممن لا يداومون على هذه الألعاب والمشاهد سرعة تفاعلهم مع هذا الموقف وتقديمهم للمساعدة..
قيم سلبية:
فلا يخفى على أحد ما تحتويه هذه الألعاب من قيم سلبية وغريبة على مجتمعنا العربي الإسلامي ، من عري وتبذل خاصة بالنسبة للشخصيات النسائية ، وخديعة وإدعاء وتحايل أحياناً للوصول للهدف..مما ينعكس بالسلب على شخصية الطفل التي تتقبل هذه القيم وتعتبرها أمراً واقعياً يمكن تطبيقه على أرض الواقع..
صناعة العنف:
فأغلب هذه الألعاب تحتوي على مشاهد عنيفة ومروعة مما يجعل الطفل أشد تأثراً بها..بل إن الطفل ما بين الثانية والخامسة حين يتابع هذه المشاهد تزداد لديه الفرصة لتقليد السلوكيات العنيفة ؛ حيث يتصور أنها أمر بسيط فتكسير رأس الخصم أو كسر أطرافه لن يكون شيئاً مؤثراً لأنه يعود لصورته السليمة كما في اللعبة أو في أفلام الرسوم المتحركة..وهذا يفسر انتقال عدوى العنف بين الأطفال في هذه المراحل المبكرة من العمر..
نحو مشروع ألعاب إلكترونية إسلامية:
وعلى الرغم من كل هذا فإننا لا ننكر أن ألعاب الفيديو تجتذب القطاع العريض من الأطفال ، ولها قوة تأثير في شخصياتهم وهذا يستدعي من المهتمين بألعاب الأطفال التفكير في تحويل هذه الأداة لصورة إيجابية تتعدد منافعها وتقل سلبياتها..
فمثلاً يمكن إنتاج ألعاب فيدو إسلامية تساعد الأطفال على اكتساب قيم إسلامية صحيحة ، وتساعدهم في زيادة معلوماتهم الدينية ..كالتعريف بأركان الصلاة أو مناسك الحج أو شروط الزكاة..
من خلال ألعاب بسيطة يكون بطلها طفل يحاول اجتياز مراحل متعددة من السباق وفي كل مرحلة تظهر له معلومة عن موضوع اللعبة كأركان الصلاة حيث يتمكن في نهاية اللعبة من إقامة الصلاة بصورة صحيحة..
أو طفل آخر يحاول إسقاط الثمار من الشجرة حيث تنفتح كل ثمرة يسقطها وتظهر له معلومة عن مناسك الحج والعمرة وفي نهاية المطاف يجمع المعلومات ويقوم برحلة حج صحيحة ..وكذلك يمكن غرس العديد من القيم الإسلامية الصحيحة كالتكافل والتراحم والرفق بالحيوان
مثال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي سقى الكلب فغفر الله له ، يمكن صياغتها في صورة لعبة ، يحاول فيها الرجل اجتياز عدة مراحل بداية من النزول للبئر وحتى الصعود لسقاية الكلب ، وبعد أن ينجح الطفل في مساعدة الرجل لسقاية الكلب يروى له الحديث بصوت مسموع..وهو ما يرسخ في ذهن الطفل أن الرحمة بالحيوان واجب إنساني يستدعي بذل الجهد لنيل الأجر من الله عز وجل..وهكذا
وهو مشروع أتمنى من أصحاب العقول النيرة تبنيه..
- تفضل بالدخولأو سجل لتعلق
- أرسلها لصديق
- قرأت 312 مرة



