اجتمع للحاج شرف المكان (فهو في أشرف بقاع الأرض وأحبها إلى الله) ، وشرف الزمان ، فهو في العشر من ذي الحجة ، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم : " " مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ العشر . قَالُوا : وَلا الْجِهَادُ؟؟
قَالَ وَلا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ . رواه البخاري .
وقال صلى الله عليه وسلم " أفضل أيام الدنيا أيام العشر " .
قال في (تحفة الأحوذي): "اختلف العلماء في هذه العشر، والعشر الأخير من رمضان، فقال بعضهم: هذه العشر أفضل لهذا الحديث، وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم والقدر، والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر؛ لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، وليلة القدر أفضل ليالي السنة، ولذا قال: "ما من أيام" ولم يقل من ليال ، وفي الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية: "وعشر ذي الحجة أفضل من غيره لياليه وأيامه، وقد يقال ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل وأيام تلك أفضل. قال أبو العباس: والأول أظهر".
أما يوم عرفة ويوم النحر، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أن يوم النحر أفضل أيام السنة على الإطلاق، حتى من يوم عرفة، قال ابن القيم: "خير الأيام عند اللّه يومُ النحر، وهو يومُ الحج الأكبر، كما في السنن عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أَفْضَلُ الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر" ، وقيل: يومُ عرفة أفضلُ منه... والصواب القول الأول".
نلحظ في أركان الإسلام الخمسة سمة لا تكاد تتخلف ، وهي سمة " المساواة أمام الله تعالى في الحقوق والواجبات والمنزلة ، والتفاضل بالتقوى " .
فالمسلمون في الصلاة يجتمعون في صف واحد ، ليس لغني أن يتقدم على فقير ، أو عالم على جاهل .
والزكاة تسعى إلى تقليل فرص التمايز بالمال ، فيفيض الأغنى على الأدنى .
والصوم يشعر الغني بألم الفقير ليجود عليه ، ثم يختم شهر الصوم بزكاة الفطر .
أما الحج فهو تجرد من كل ما تملك من متاع الدنيا .. حتى لباسك المخيط ، وقدوم إلى الله عز وجل وليس لك على أخيك المسلم فضل مال ولا مكانة ولا وجاهة .
أرى الناس أصنافا ومن كل بقعة إليك انتهوا من غربة وشتاتِ
تـســاووا فلا أنساب فيها تفاوت لديك ولا الأقدارُ مختلفــاتِ
وبهذه الأركان الأساسية للإسلام يرسي الإسلام في قلب المسلم ميزان التفاضل الحقيقي ، وهو تقوى الله عز وجل .
إذا كان رمضان كسر العادة في الطعام والشراب ونمط الحياة مع البقاء في نفس بيئتك ، فإن الحج كسر العادة بتغيير بيئتك التي تعيش فيها إلى بيئة أخرى .
1- إحياء سنة الهجرة النبوية : الهجرة ليست انتقالاً من دار الكفر إلى دار الإسلام فحسب ، وإنما المهاجر - كما ذكر صلى الله عليه وسلم - : من هجر ما نهى الله عنه . والمسلم يهجر كل ما اعتاد عليه من وسائل الترف والدعة ، وعلاقات الأهل والقرابة ، ويسعى إلى الله عز وجل على هيئة الفقر والتجرد ، طلباً لمرضاته ، وفي ذلك إحياء لسنة الأنبياء والمرسلين ، فقد سار موسى عليه السلام لموعد ربه ( وما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ قال : هم أولاء على أثري ، وعجلت إليك ربِ لترضى).
2- التحليق في عالم الرمز ، والبعد عن التفسير الحسي المباشر للأشياء : الحاج يقوم بأفعال حسية لا تقصد بذاتها ، وإنما المقصود منها إسلام الوجهة لله عز وجل ، وتعويد النفس على إلزامها مراد الله ، وذلك بالطواف ، والسعي ، وتقبيل الحجر ، ورمي الجمرات ، والتنقل بين أماكن محددة (منى وعرفات ومزدلفة والحرم) ، والإسلام بذلك يعود المسلم على أصل التوحيد ، وهو الاستجابة لله تعالى فيما أمر به ، حتى وإن خفيت على العبد حكمته .
3- أعظم عمل جماعي في الإسلام : يجتمع المسلمون لصلاة الجماعة ، ثم لصلاة الجمعة ، ثم لصلاة العيدين ، ويجتمعون في الجهاد ، غير أن أعظم اجتماعٍ لهم من حيث العدد والكيفية هو اجتماع الحج ، وهو إرهاف للحس الجمعي عند المسلم ، وتذكير له بأصل هويته وانتمائه ، فكلما احتارت هويته بين انتماءات العرق واللون واللغة والمصلحة الشخصية ؛ جاءه الحج ليعيده إلى الانتماء الوحيد الذي يقره الله تعالى " انتماء الدين ".
4- اتصال الزمان بين المسلم الفرد والأنبياء والصالحين : إذا غفل الإنسان عن اتصال الزمن من الماضي إلى المستقبل سقط في هوة اللحظة الآنية ، والحج يوسع آفاق المسلم لتمتد من الزمن الماضي الموغل في القادم ، إلى المستقبل المتجاوز لحياته الدنيوية ، فهو يقوم بعبادات قام بها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ( عبادة النحر ) ، وزوجه هاجر عليها السلام ( عبادة السعي) ثم عبادات المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهو يزور أرضاً مباركة ، ويستحضر في ذاكرته كل من جاءها من عباد الله وأوليائه ، وكل من قصدها طلباً للتوبة ومغفرة الذنب ، ثم يمتد به خط الزمن ليتجاوز حاضره إلى مستقبله ، ويرى في اجتماع الحجيج على هيئة الفقر موقف افتقارهم أمام الله عز وجل يوم المحشر .
فالحج بذلك تنقية لحس الإنسان المسلم بالزمن ، وتوسيع لآفاقه في نفسه .
5- تجريد التوحيد : كل عبادات الحج وشعائره تشير إلى تحقيق العبودية ، وإفراد مقام الله جل وعلا بالألوهية ، وهي الخاصية التي عليها مدار صحة العبد النفسية وسواؤه ، يقول تعالى " ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فإلهكم إله واحد فله أسلموا، وبشر المخبتين " .
والتلبية : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " ، كلها سعي إلى الله عز وجل بالعبودية . والإدراك العميق لمعناها هو سبب ما نقل عن بعض السلف أنه كان إذا لبى غلبه تذكره فأغمي عليه ، كما روى ذلك الإمام مالك عن علي بن الحسين ( زين العابدين ) ـ رحمهما الله تعالى ـ أنه أحرم، فلما أراد أن يلبي قالها، فأغمي عليه ، وسقط من ناقته فهشم رحمه الله، فقيل له في ذلك ؟ فقال : أخشى أن أجاب بلا لبيك !.
" لن ينال الله لحومها و لا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم، وبشر المحسنين "
" ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب "
6- مغفرة الذنب : قال عليه الصلاة و السلام ـ فيما رواه الشيخان ـ " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة "، وعندهما أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - قال " من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه " .
قال صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة في ضمان الله عز وجل : رجل خرج من بيته إلى مسجد من مساجد الله عز وجل ، ورجل خرج غازياً في سبيل الله عز وجل ، ورجل خرج حاجاً " .
وقال صلى الله عليه وسلم : « جهاد الكبير والضعيف والمرأة : الحج والعمرة " .
وقال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص - رضي الله عنه - عندما جاء مسلماً وقال : « أريد أن أشترط . فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : تشترط بماذا ؟ قال : أن يغفر لي . قال : أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله ! »
7- الاستجابة لنداء الله تعالى : " وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " " وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " .
الملاحظ أن الله تعالى يترقبنا بأزمنة خاصة يختارها لكي تكون نقاطاً فارقة في تغيير العادات ، فبين الشهور شهر رمضان بتمامه ، ثم العشر من ذي الحجة ، ثم شهر الله المحرم لا سيما التاسع والعاشر منه .
هذه دورة العام .
• أما دورة الشهر فهناك صيام أيام الليالي البيض .
• أما دورة الأسبوع فهناك صوم الاثنين والخميس .
وهناك دورة اليوم والليلة :
• فالثلث الأخير هو وقت النزول الإلهي .. وإجابة الدعاء .
• وصلاة الفجر تشهدها الملائكة ، ثم ذكر الله إلى شروق الشمس وصلاة ركعتين يعدل أجر حجة وعمرة .
• وقبل الغروب وقت ذكر الله تعالى وتسبيحه.
ولا يعني ذلك أن بقية الأوقات ليس لها قيمة ، وإنما اعتاد الإنسان على أن يجعل لأعماله بداية ، وقد يسر الله تعالى له فرص البداية بالتغير في هذه الأزمنة الفاضلة.
والإسلام بهذا يعود الإنسان على ضبط وقته ، واستثماره في أفضل عمل يلائمه.
• الحج بداية حياة جديدة للإنسان ، ولعل تعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه " يعني أن الإنسان عبر رحلة الحاج يعود نظيف النفس نظيف الروح مما علق بها ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنب كما ينفي الكير خبثالحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة".
• على الحاج أن يستشعر أنه مسافر إلى الله تعالى بقلبه قبل أن يسافر جسده.
• وعليه أن يعلم أن الحياة قائمة على المشقة ، والعبودية لا تكون إلا بتقديم محبوب الله تعالى على محبوب النفس .
• إذا تجرد من المخيط باختياره فليتفكر في تجريد الناس له من ثيابه عند موته ، وليعلم أن كل ما لديه من مال ومتاع إنما هو كثوب المخيط الذي يلبسه ليس أكثر من عارية يوشك أن ينزعها عنه ، أو تنتزع منه.
• إذا اغتسل للإحرام فليسال الله تعالى أن يغسله من الذنوب وآفات النفس كما تغتسل أعضاؤه ، حتى يكون غسله هذا باطنياً وظاهريا ، ويعضد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء, فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة كان مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياًّ من الذنوب" [رواه مسلم] .وليتذكر غسل موته ليكون بداية إقباله على الله تعالى ، فكأن العبد لا يقبل على الله عز وجل إلا مغتسلاً من ماضيه ، متطهراً من آفات نفسه .
• إذا سارت به قافلته نحو البيت المعظم فليذكر مسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأطهار من بيت الله إلى عوالم الناس لينشروا إليهم النور الذي أنزله الله ، وليوجهوا الناس إلى ما يصلح أنفسهم ومجتمعاتهم ، وليحدث في نفسه نية متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى فضائل الإسلام إن يسر الله تعالى له العودة إلى دياره .
• إذا أقبل على البيت المعظم فليذكر كل من قدم إليه من عباد الله وأوليائه منذ نداء إبراهيم عليه السلام ، وليستشعر أن كل خطوة يخطوها إنما هي على أثر عبد صالح من عباد الله قدم إلى الله قدوم مفتقرٍ فغفر الله له ، وإذا استشعر أنه فرد من جماعة الطهر الصالحة من لدن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام إلى قيام الساعة شعر باتصاله العميق في الزمان ، وانتمائه إلى خيار خلق الله عبر التاريخ البشري كله ، وفي ذلك أسمى علاج لمرض الفردية المستشري في واقع الحضارة الغربية اليوم ، فالفرد هناك يشعر أنه منبت عن جذوره ، ولا يستشعر علاقة الحب والمتابعة والامتداد العميق في الزمان .
• إذا دخل البيت المعظم فليملا منه عينيه ، وليستشعر البيت المعمور في السماء ، الذي يطوف به ملائكة الله ، وليشعر بلذة أن يقوم على الأرض بما يقوم به ملائكة الله في السماء من توحيد الله وتمجيده والتسليم له .
• ليستشعر بركة أن يكون في جمعٍ من المؤمنين الملبين لنداء الله تعالى ، ويستحضر وجود عباد من عباد الله يدعون لأهل الطواف بالمغفرة فيغفر الله له ، وليستشعر في طوافه أنه عبد ضعيف ليس له من فعله ما يستدعي اجتباء الله له بالقدوم إلى بيته ، ولينظر إلى كل أهل الطواف باعتبارهم خيراً منه ، فتتواضع نفسه لله ، وليجعله بداية نية تغيير تعامله مع المسلمين إلى مقتضى قول الله تعالى " واخفض جناحك للمؤمنين " .
• إذا سعى بين الصفا والمروة فليستشعر أن من أخلص لله عز وجل العمل ، وكان منفرداً ، جمع الله قلوب الناس على ما أراد . فهذه هاجر عليها السلام ، سارت بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء لابنها الذي جاءت به تحقيقاً لأمر الله تعالى لزوجها ، وكانت منفردة وحيدة في الصحراء ، فآنس الله تعالى وحشتها على مر الزمن بأن يتبع مسيرتها ملايين الناس .
وفي هذا مثال بالغ الدلالة لمن يقول : أريد أن أدعو الخلق كله إلى الله ، ولكني غير قادر ..
الحل : سر أنت على مراد الله ، وسيحول الله تعالى فرديتك الضعيفة إلى جماعة عظيمة .
• إذا سرت إلى منى وتركت البيوت وراءك وعشت في الخيام ، فاعلم أن كل ما لديك من قصور مشيدة إنما يغني عنه خيمة تحميك من هجير الحر وشدة القَرّ ، وأنك لست أكثر من بدوي راحل ، غير أن استقرارك في بيت من الطين أنساك سفرك .. ووجود هذا الشعور في القلب ضروري لعلاج كثير من الأمراض النفسية ، إذا تنشأ كثير منها بدافع الفراغ ، واختلاط ترتيب الأولويات في النفس ، وتقديم بعض التفاهات لتكون محوراً للحياة ، وشعور المسافر إلى جل وعلا ضروري لإعادة ترتيب الأولويات ، ليشعر الإنسان أن كثيراً مما كان ياسى عليه أو يرغب فيه إنما يأتي في المرتبة العاشرة لرجل مسافر لا يدري ماذا يصنع الله به .
• إذا سرت إلى عرفة فأنت في أجل مقام يفتقر فيه الخلق إلى الله ، واعلم أن الله تعالى يخصكم أهل موقف عرفة بكرامة لا يمنحها غيركم ، وأنه ناظر إليكم نظرة الرحمة والمغفرة ، فاستحضر ذنب وعظمة ربك ، وأخبت في الدعاء له ، ثم استحضر سعة رحمته وارج مغفرته ، وكن بين الخوف والرجاء كما كان السلف رضوان الله عليهم .
وقف الفضيل بن عياض بعرفة والناس يدعون، وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال : واخجلتاه منك وإن عفوت .
وجاء ابن المبارك إلى الإمام سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فقال ابن المبارك :من أسوأ هذا الجمع حالاً ؟ قال سفيان : الذي يظن أنه لا يغفر لهم .
وروي عن الفضيل أنه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشية عرفة، فقال : أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا ( يساوي سدس درهم ) أكان يردهم ؟ قالوا : لا .قال : والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق !!.
• في انتقالك من عرفة إلى مزدلفة ، واختيارك الأحجار منها ، ثم مسيرك إلى منى تذكر أن أوامر الله تعالى منها ما يعقله عقلك ، ومنها ما يسلم به قلبك ، فعود نفسك على التسليم لله تعالى بالعلم الكامل والحكمة البالغة.
• استحضر في يوم النحر الصلة بينك وبين أبي الأنبياء إبراهيم بصورة رمزية ، وتذكر قصة فداء الله لعبده حين أسلم نفسه إليه " فلما أسلما وتله للجبين ، وناديناه أن يا إبراهيم ، قد صدقت الرؤيا ، إنا كذلك نجزي المحسنين " . وفي هذا تذكير للعبد بقاعدة أنه إن توجه إلى الله عز وجل بدَّل الله حاله ، وأعانه على نفسه.
• واستشعر فرحة الحجيج بالعيد ، وكأنما هو جزاء لهم على استغفارهم ودعائهم يوم عرفة .
• في رجمك للجمرات عش رمزية هذا الموقف ، وإياك أن ترجم إبليس وأنت قريب منه فتكون كمن رجم جزءاً من ذاته ، وإنما استشعر في رجمك له أنك تخرجه من نفسك مع كل حجر ترميه ، وتسلم نفسك إلى الله تعالى .
• فإذا عدت إلى البيت الحرام بعد ذلك عدت عودة من غسل من ذنبه ، وغير من علاقته بربه إلى علاقة أكثر خضوعاً وتسليماً .
• إن تيسر لك زيارة المسجد النبوي للصلاة في رحابه الطاهرة ، وذكر الله في الروضة الشريفة ( من رياض الجنة ) ، والسلام على المقام النبوي الشريف ، فاستشعر عظمة تلك الرياض ، وكرامتها بسكنى سيد البشر فيها ، وقد كان السلف رضوان الله عليهم يتأدبون في طيبة الطيبة بأدب سورة الحجرات ، فلا يرفعون الصوت ، وقد كان مالك ابن أنس رضي الله عنه لا يركب الدابة داخل المدينة حتى لا تطأ الدابة موضعاً وطئته قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم .. سلم عليه وعلى صاحبيه واستشعر ما بذله لكي ينقل إليك نور الله ، ولولا كرامة الله للخلق بنور رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لظلوا كفاراً لا تتوجه قلوبهم إلى الله ولا تلهج ألسنتهم بذكره .
• اشعر وانت أمام المقام الشريف بعظمة انتمائك إلى صاحبه الذي هو أكرم الخلق على الله ، وامتنانك لما قام به من أجلك ، وسل الله تعالى - في المسجد النبوي - أن يبقيك على هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وان يحشرك في زمرته.
• إذا عدت من تلك الربوع الطاهرة فعد عودة من فارق ماضي عهده إلى عهد جديد مع الله عز وجل ، استحدث هناك توبة يبقى لك أجرها ما بقيت ، وسل الله تعالى أن يعينك على الوفاء بحقها ، والقيام بأمره فيها .
• وإذا رجعت إلى ديارك فلير الناس منك أثر الحج عليك ، وانقل ما شعرت به في أيام الحج الستة إلى باقي أيامك كلها ، وعش مع الناس وقلبك يطوف حول بيت الله جل وعلا .
• استشعر مع الحجيج مشاعرهم وكأنك حاج .. كن معهم بقلبك وهم يتجردون من إحرامهم ، ثم يفدون إلى البيت العتيق ، كن معهم في منى وعرفات ومزدلفة والجمرات ، سر معهم بقلبك إن كنت قد حرمت السير معهم بجسدك .
• تفكَّر في المقاصد السامية للحج والغايات الإلهية فيه .
• استشعر أن الحج علاج لك من أمراض النفس :
o من يعاني من الرهاب الاجتماعي يجد في الحج بين هذا الكم العظيم من عباد الله علاجاً لخوفه من التعرض بأكبر تعرض ممكن .. إذ كل العبادات في الحج جماعية : الصلاة ، والطواف ، والسعي ، والوقوف ، والإفاضة ، والرمي .. ولابد له من التواصل مع إخواته المسلمين ليتم حجه ، فكأنما هي دورة مكثفة لعلاج الرهاب بأنواعه المختلفة (الساح .. الأماكن الضيقة ... السيارات .. إلخ).
o القلق يشعر في الحج بتهذيب وتربية لقلقه ، لأنه لا يقوم بحق الله تعالى في الحج إلا إن صبر على المشقة ، وعود نفسه على خفض توتره ، وفي هذا علاج للجزء المعرفي السلوكي من القلق.
o الوسواس القهري يدرب صاحبه على العلاج منه في الحج ، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " افعل ولا حرج .. " فهو تدريب له على أساس علاج الوسواس : أن يصرف الذهن عنه ، وأن يتساهل في المعايير الصارمة التي يضعها لنفسه وليست صحيحة .
o الاكتئاب : تنسحب طاقة الاكتئابي عن العلاقات الاجتماعية ، ويشعر بانعدام الهدف ، ونقص الطاقة والأسى على الماضي ، والخوف من المستقبل . والحج بالشبكة الاجتماعية الممتدة فيه ، ولقاء الإنسان بخلق كثير من خلق الله يطلع على تجاربهم ، ويشعر بأحاسيسهم ، يقلل من شعوره الاكتئابي ، ويساعده على البحث عن معانٍ جديدة لحياته .
• اهتم بالعبادات الجماعية في الإسلام فهي باب الوقاية لك من كثير من الاضطرابات النفسية ، وذلك مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية " .
• انقل بيئة الحج السامية إلى بيئتك ، واجعل بيئة الحج هي هدفك الذي تسعى إلى أن تصل إليه بيئتك .