مظلة الأمومة الحانية..كلي آذان صاغية

كنت كلما عدتُ من يوم الدراسة الطويل متعبة مرهقة ، محملة بالمواقف والأحداث وجديد الأفكار.. أجدها على أعتاب المنزل تنتظرني بلهفة ، وتستقبلني بحرارة ، تستمع وتصغي وتسأل باهتمام..فأفرغ على عتبتها كل ما لدي من مخزونٍ يومي مدخر..
كبرتُ ، وكبرَت تلك العادة داخلي ، فما من حدث يحدث أو واقعة تقع أو موقف يعرض إلا ويكون لها من معرفتها والوقوف على تفاصيلها نصيب ..
لقد استطاعت أمي أن تغرس فيَّ صفة البوح ، وتنمي في ذاتها فضيلة الاستماع ، وأصبح البوح والاستماع صفتين متلازمتين في جلساتنا حتى الآن..بل كانت هي العتبة التي تنتهي لديها الأزمات وتتقزم في ظلالها المشكلات ..كان البوح والاستماع هو الجسر الممتد والممدود بيننا حتى الآن..
...
لعلك تشتكين اليوم من بعد أبنائك ، واحتجابهم عنكِ ، ولجوئهم إلى أقرانهم من الأصدقاء أو الجيران أو حتى الأقارب ليخصوهم بمجريات الأحداث في حياتهم..فهل تعلمين أنك قد تكونين أحد أسباب هذه الجفوة وتلك القطيعة وذلك البعد..
لعلك إحدى هذه الأمهات:
- أمٌ متعبة منشغلة مثقلة بالأعباء والواجبات داخل وخارج المنزل ، لا تكاد تجد من الوقت والطاقة ما يعينها على الاستماع لأبنائها..
أمٌ غير مهتمة ..ترى أن حديث الأبناء وأحداثهم ، لا يستحق أن تصرف له اهتمامها ، وهو من قبيل تفاهات عالم الطفولة وترهاتها ، وثمة أمور أخرى أهم تستحق أن تصرف لها انتباهها ، وتنفق فيها وقتها..
أمٌ صارمة..ما إن يتحدث إليها الابن أو البنت ، حتى تنهال عليه بالنقد واللوم والعتاب ، أو بالنصح والوعظ والإرشاد ، مما يضع الحواجز بينها الأبناء ، ويعمق الفجوة مع الأيام..
أم غير متقنة لمهارات الاستماع..فلا تكاد تصغي لحديث الابن أو البنت باهتمام أو تركيز ، ولا تحقق من جلسات الحوار هدفها..
فإذا كنت واحدة من هؤلاء فأرجو أن تبقي معنا للتعرف على أهمية الاستماع للأبناء وكيفية تحقيق الاستماع الناجح..
....
لماذا يجب أن نستمع للأبناء؟؟
لأن الاستماع هو أول خطوات التواصل الناجح بينك وبين أبنائك..ولأنه الجسر الممتد بين عالمه وعالمك ، خاصة بعد أن يبدأ في الخروج والغياب عنكِ والاعتماد على نفسه ، والاندماج في جماعات أخرى جديدة كجماعة الأقران وجماعة زملاء الدراسة ، ورفقاء الأنشطة والهوايات المختلفة.. ..
لأن الاستماع عادة طيبة تنمي في الأبناء الرغبة الدائمة والملحة لأن يفضوا بمكنون نفوسهم على عتبتك ، ويجعلك مصدراً لثقتهم الدائمة والممتدة..
لأن الاستماع الجيد ينمي في الطفل الثقة في النفس ..والقدرة الفائقة على التعبير ..بل ويطور مهاراته اللغوية وقدراته التعبيرية..
بل إن الاستماع الجيد يساعد على تنمية ذكاء الطفل ، ويساهم في تنشئة طفل مثقف ..اجتماعي..يتقن مهارات الحديث ، ففي مرحلة التخاطب يستخدم الطفل أكثر من مهارة ويقوم بأكثر من عملية عقلية..التذكر..استعداء الأفكار والأحداث والمواقف ترجمة هذه الأفكار والأحداث المختزنة إلى عبارات وجمل منتظمة..تحويل هذه العبارات إلى كلمات منطوقة منتظمة..مراقبة تعبيرات من يخاطبه مما يشجعه على المضي قدماً في الحديث ، أو يوقفه عن الاسترسال فيه بحسب رد فعل من يحاوره..وهذه المهارات والعمليات العقلية المتنامية باستمرار تجعله بلا شك طفلاً متميزاً..
لأن الاستماع الجيد هو وسيلتك الوحيدة للاطمئنان على طفلك ، ومرافقته معنوياً في فترات غيابه عنكِ ، والتي يمكن أن يتعرض فيها لأحداثٍ شتى.. وبالتالي هو وسيلتك لتحصين طفلك مما يمكن أن يتعرض له من أخطار..
................
كيف نحقق الاستماع الناجح..
الكثير من الناس يخلط بين السمع والاستماع..وعلى الرغم من أن عضو واحد هو الذي يؤديهما إلا أنهما عمليتان مختلفتان..
فالسمع يتعلق بوظيفة الأذن عامة في تلقي المثيرات الصوتية ، وهي عملية تلقائية لا تتطلب جهداً من الفرد..
أما الاستماع فيتعلق بمدى انتباه الإنسان إلى المعاني التي يرسلها المرسل وهو ما أطلق عليه القرآن الكريم [الإنصات] في قوله تعالى: [[وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]]
وهي عملية مركبة تتطلب عددٍ من الأنشطة : الإحساس، التفسير، التقييم، التذكر، الاستجابة.
ولذا فإنها تستدعي منك بعض القواعد لنحقق الاستماع الناجح..
كيف أحقق الاستماع الناجح؟؟
- الاستماع الجيد يبدأ من الانتباه الجيد ، ولذا لابد من انتقاء الوقت الذي يمكن أن تستحضري فيه ذاتك وتستنفري حواسك للانتباه لأحاديث أبنائك..وهنا يمكن تخصيص جلسة يومية للحوار ، يمكن أن تكون مصاحبة بتناول بعض المشروبات الخفيفة أو بعض الحلوى..
- من المهم ألا تتخذ جلسة الحوار صفة التحقيق أو الاستجواب ، ولكن لابد من استخدام الكلمات الهادئة التي تشجع الطفل على التحدث بتلقائية وانطلاق..
- تجنبي المقاطعة أو إبداء ملاحظات إلا بعد أن ينتهي الطفل من حديثه ..حتى لا يتعثر وتتبعثر أفكاره ويشعر بالكبت..
- يمكن استخدام كلمات الاستيضاح ، لتقفي على تفاصيل بعض النقاط خلال الحديث ..
- حاولي إبداء التعاطف والتفاعل مع الحديث مهما كانت بساطته وتلقائيته ، ليشعر الطفل بالاهتمام والتعاطف مما يشجعه على البوح والانطلاق..وتذكري أن تعبيرات الوجه وتبادل النظرات المعبرة أول رسالة يلتقطها الطفل من ردود أفعال المتلقي..
- إن اضطررت لمقاطعة الحديث لأي سبب فاعتذري ، ثم عاودي الحديث عند النقطة التي توقفت عندها..
- يمكنك أن تحولي مسار الحديث من قضية فرعية ، لقضية عامة تغرس في الطفل قيمة أخلاقية نبيلة..
مثال: طفل يتحدث عن مشكلة بينه وبين صديقه حين أراد الاستئثار بالكرة ، يمكنك استغلال الفرصة للحديث عن قيمة المشاركة والتعاون في اللعب ، بل وفي شئون الحياة المختلفة..
- يمكنك تدوين ملاحظات عامة عن أطفالك من خلال أحاديثك اليومية للوقوف على أهم مشكلاتهم ، ومراقبة تطورهم في النمو..