صندوق من العجائب ملئ بالقصص والحكايا والألعاب والأفكار والمغامرات والخيالات والتشويق والإثارة..
بوابة صغيرة على عالم كبير ..يطل منها رأس الصغير مشدوهاً مبهوراً متلقياً مقلداً ومحاكياً وفي بعض الأحيان منتقياً وناقداً..
وسيلة تنتقل بالطفل بمدركاته وأفكاره وحواسه من عالمه الضيق إلى عالم كبير متسع..
....
لم تعد المساحات الممنوحة لأطفالنا على الشاشة الفضية مساحة ضيقة في وقت قصير عبر بعض القنوات والبرامج..بل أصبحت قنوات متخصصة متاحة ومباحة آناء الليل وأطراف النهار..تبث عبر الساعات الممتدة الكثير من المواد والبرامج والأفلام والمغامرات..التي تتنوع بين الجيد والردئ ، والمقبول والمرفوض ، والمباح والمحظور..
ولكنك عادة ما تجدين هذه الشاشة هي الملجأ والمهرب والملاذ الوحيد لتضمني جلوساً هادئا ومطولاً لأطفالك بعيداً عن الشغب والإزعاج وكثرة الحركة..وكم هو حل قريب وجذاب تلجأ إليه الأمهات في أكثر الأحوال..
ولكن هل هو الحل المناسب حقاً؟؟ وإذا كان جلوس الأطفال أمام التلفاز أمر لا مفر منه في وقتنا الحاضر..فكيف نضمن لهم مشاهدة صحيحة وآمنة خالية من الأضرار..؟؟
من نافلة القول الحديث عن أضرار الإفراط في مشاهدة التلفاز ، والتي تتضاعف بالنسبة للأطفال في سنيهم الأولى:
- فالجلوس لفترات مطولة أمام التلفاز (أكثر من 50 دقيقةً في اليوم) يُحدث تأثيرًا ضارًّا على القدرات العقلية للطفل؛ حيث إن شاشة التلفاز الملوَّن والعادي يصدر منها أشعة تُسمَّى ميكروويف، وهي نوعٌ من الموجات الكهرومغناطيسية المتناهية الصغر، وقد ثبت علميًّا أن لها بعض التأثيرات البيولوجية على الصحة في صورة إجهادٍ للعين والشعور بالإرهاق.
- كما أن مشاهدة التلفاز بكثرة يؤدي إلى تبلد قوى التخيل لدى الطفل ؛ لأنها تُقدِّم له خيالاً جاهزًا ، مما يؤدي لتعطل قدراته التأملية الخلاقة وفي الوقت ذاته تؤدي إلى قصر زمن الانتباه لدى الأطفال ، ويقلل من قدرتهم على التعليم الذاتي.
- كما أنه يساعد على تنمية الشخصية السلبية التي يكتفي فيها الطفل بدور المتلقي بينما يكون دور التلفاز الملقن والمؤدي..
- ولعلك مثلي تلاحظين أن أكثر المواد المعروضة من قصص وأفلام وحكايا ورسوم متحركة هدفها الأساسي التشويق والمتعة والإثارة ، على حساب التوجيه والتربية وتنمية مدارك الطفل..
- ومما لا يخفي على أحد ما تحفل به من قيم سلبية تؤثر بصورة أو بأخرى على شخصية الطفل ، ومن هذه القيم السلبية:
1- اعتمادها على الخيال بصورة أساسية ، وإذا كان الخيال محبب بالنسبة للأطفال إلا أن ما يقدم من مواد تعتمد على الخيال عبر هذه القنوات خيالٌ غير واقعي ، يجعل حلم القوة والبطولة قائم على الأسطورة ، وليس قائماً على أسباب واقعية يمكن للطفل تعلمها والأخذ بها: كالاجتهاد والبذل والالتزام والاستقامة والاخلاص في العمل..فينشأ الطفل وهو يحلم بالقوة والسيطرة المفاجئة التي يفتقد لمقدماتها ومؤهلاتها وأسبابها الحقيقية..
2- اللجوء إلى وسائل غير تربوية لتحقيق النصر ، حيث يبرز بوضوح مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، مما يبرر اللجوء للخدعة والكذب والنفاق والتحايل للوصول إلى الهدف..
3- ما تحفل به هذه المواد من صور العنف والحركة والإفراط في استخدام القوة..
على سبيل المثال: أفلام توم وجيري ، وهي الأفلام المحببة لشريحة كبرى من الأطفال في مختلف الأعمار ، نجد أن الحلقات تبرز قيمة واحدة وهي الذكاء في مواجهة القوة..
ولكن كيف يغلب الذكاء القوة..تارة بالحيلة ، وتارة بالكذب ، وتارة باستخدام وسائل التعذيب الذكية والبشعة ، من حرق وضرب وتكسير عظام وأسنان ونفخ إلى غير ذلك ، مما تحفل به هذه الأفلام والتي تتغلف بصورة فكاهية مضحكة بل وجذابة أيضاً..
مثال آخر: مغامرات الفتيات ، وهي الأفلام التي توجه للفتيات ..فمن المفترض أن تتوجه هذه الأفلام لتنمية جوانب الرقة والأنوثة والحنو في الفتيات..لكنها على العكس من ذلك تحاول إضفاء لمحات من القوة المبالغة ، التي تظهر الفتيات في صورة متوحشة عنيفة مدمرة ، تخرج بها عن الإطار الصحيح لصورة الفتاة العربية المسلمة..
ولك أن تضيفي لهذه الأمثلة العديد والعديد مما تحفل به هذه القنوات..ولكن على اعتبار أن غالبية هذه المواد أجنبية الصنع فإنه يصعب التحكم في نوعيتها ، وما تبثه من قيم تخالف أكثرها معتقداتنا وأعرافنا وتقاليد مجتمعاتنا..
...
معاً أمام الشاشة:
ربما يكون من الصعب عليك متابعة كل ما يشاهده أبناؤك ، وما يتابعونه من أفلام وبرامج ، فضلاً عن أن تختاري من بينها الأفضل والأنسب..لكنها في رأيي إذا كانت مهمة صعبة فهي ليست بالمستحيلة..
لابد من أن تبدأي الرحلة مبكراً ، حيث يكون طفلك في بدايات وعيه وإدراكه ، فيمكنك بسهولة تطويع ميوله ورغباته حيث تشائين..
تحديد أوقات المشاهدة:
حاولي دائماً أن تحددي أوقات المشاهدة ، وتنوعي نشاطه فتحصري أوقات المشاهدة بساعة أو بساعتين يومياً على الأكثر ، بحيث يعتاد هذا الوقت فقط..
وعندما ينتهي الوقت المحدد لا تأمريه بلهجة جافة بإطفاء التلفاز حتى لا يزداد تشبثاً به ، ولكن قولي له: ألم يحن وقت اللعب..أليس هذا وقت الرسم..لابد أن تتناول وجبتك الآن..بحيث تلفتي انتباهه لنشاط مفضل ومحبب لديه..
اختيار الأفضل:
تخيري من بين الزخم المقدم قناةً تثقين بها ، ونوعية من الأفلام تطمئنين لها وحببي إليه مشاهدتها..
متابعة ما يشاهد:
حبذا لو كانت عملية المتابعة مزدوجة ، بمعنى أن تتابعي معه ما يشاهد حتى لو حاولت أثناء ذلك القيام بواجب منزلي يمكنك من متابعة المشاهدة..لأن وجودك سيجعله يشعر أن مشاركتك له ليس نوع من الرقابة أو فرض السيطرة ، وبهذا لن يستنكر وجودك معه فيما بعد عند قيامه بأي نشاط..كما أن هذه المتابعة ستجعلك أكثر اطمئناناً لما يشاهده وسيعينك على عملية النقد ، بمعنى أن تحاولي توصيل القيم الإيجابية ، وتنتقدي القيم السلبية مما تشاهدين ، مما سينمي لديه ملكة النقد والوعي بما يشاهد..
استنكار المواد غير المناسبة:
إذا وجدته يتطرق لرؤية موادٍ غير مناسبة حاولي أن تصفيها بأنها غير مناسبة وغير جيدة ، ابدأي بتعبيرات الوجه التي سيلتقطها ، ثم كرري هذا الوصف أمامه وغيري المحطة عنها إلى شيء أفضل أو اطلبي منه هو تغيير القناة لما هو أفضل ، وسيتقبل طفلك هذا في سنوات الطفولة المبكرة حيث تكون ميوله ورغباته وتوجهاته في طور التكوين ، أما لو مارست هذا الأمر في وقت متأخر فسيكون من الصعب عليك تنفيذه..
بدايات صعبة لرحلة أكثر سهولة:
لعل البدايات تكون صعبة ، ولكن المهمة ستكون فيما بعد أيسر وأسهل ، وكوني على ثقة أن كل جهدٍ تبذلينه سينمي في طفلك ملكة النقد والانتقائية وسيجعله أقدر على ضبط نفسه واستثمار وقته بصورة أفضل لحياة أفضل..