إنه عالمه الأثير الذي يكتشف فيه ذاته ، عالمه الذي يختطفه بألوانه المبهجة وملامحه المميزة وتفاصيله المثيرة ، إنه الشيء الوحيد الذي ينتزعه من سبحات الطفولة الخالصة ، ليدفعه إلى مرحلة حياتية مختلفة ، يبدأ فيها اختبار قدراته وتوظيف ملكاته ، واكتشاف بذور مواهبه..
إنه عالم اللعبة ..
ولكن ثمة عالم آخر لا يكاد يغادره حتى يحن إليه ، ولا يكاد يبصره حتى يعاود التعلق به ، ولا يكاد يشعر بالملل أو الكلل ، إلا ويبحث عنه مأوىً أخيراً وملاذاً آمناً ، إنه عالم أحضان أمه حيث يجد الهناء والرخاء والدفء بعد رحلة يوم كامل من اللعب والعناء..
وبين العالمين الجميلين تبدأ أولى خطواته في اكتشاف ذاته وبناء شخصيته....
ماذا لو أصبح العالمان عالماً واحداً مُزجت مزاياه في بوتقة واحدة .. ماذا لو أصبحت الأم الحانية المحبة شريكة أساسية في لعب الطفل....
ماذا لو شاركته اللعب..
...............
لا يختلف اثنان على أهمية اللعب في حياة الطفل:
- فاللعب هو الوسيلة الأولى للطفل في اكتشاف معالم عالمه المحيط..
- اللعب هو الأداة الأولى لاكتشاف مواهبه ، وتنمية مهاراته المعرفية والإدراكية واللغوية..
- كما أن اللعب الحركي يساعد الطفل على نمو عضلاته ، واكتشاف حواسه المختلفة..
- اللعب هو بوابته الأولى للحياة الاجتماعية من خلال مشاركته لقرنائه ؛ حيث يبدأ الطفل في التخلص من تمركزه حول ذاته ، ويشرع تدريجياً في اكتساب مهارات المشاركة الجماعية وقوانين الانضباط في اللعب..
- اللعب وسيلة سهلة وسريعة لاكتساب الطفل الكثير من القيم السلوكية والأخلاقية..
...............
ولكننا كثيراً ما نلاحظ هذا المشهد في كثير من البيوت ..حيث تكون الأم جالسة تقضي بعض شئونها ، أو تمسك بسماعة الهاتف في مكالمات مطولة ، أو تبحث عن شيء تقتل به فراغها ، ويكون طفلها مسترسلاً مع ألعابه لا تكاد تشعر به إلا مع كلمات الأمر والنهي ..فتختصر العلاقة الحانية الدافئة في كلمتي افعل ولا تفعل..
وبالتأكيد فإن مبررات الأمهات واضحة وحاضرة في هذا الشأن: التعب.. ضيق الوقت.. الانشغال.. كثرة الأعباء ، على الرغم من أن هذا يتنافى مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وما روي عن السلف في هذا الشأن..
فقد ثبت في الصحاح أنه (صلي الله عليه وسلم) كان يلعب مع الأطفال، ويمازحهم ، وأخرج الحاكم عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: أقبل النبي (صلي الله عليه وسلم) وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): ((ونعم الراكب هو)).
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله (صلي الله عليه وسلم) يدلع لسانه - أي يخرجه - للحسن بن علي، فإذا رأي الصبي حمرة اللسان يهش إليه، أي يسر، وتنبسط أساريره.
وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير (رضي الله عنهما) قال: أشبه أهل النبي (صلي الله عليه وسلم) وأحبهم إليه الحسن بن علي ، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته - أو قال ظهره - فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
ويروي ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جبلة بن سحيم قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان - وهو في خلافته - وفي عنقه حبل، وصبي يقوده، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا؟ قال: يا لكع، اسكت، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((من كان له صبي فليتصاب له))، وقال ابن عساكر: غريب جدا.
والغريب أن الدراسات الحديثة تكشف بوضوح فوائد مشاركة الآباء أبناءهم اللعب ؛ فقد أوضح أساتذة العلوم والصحة النفسية في لندن أن اللعب مع الأطفال في المراحل الأولى من العمر يحميهم من المشكلات الصحية سواء النفسية أو العضوية ، بل ويساعدهم على تحمل التوترات ومن ثم التفاعل مع البيئة بصورة طبيعية أكثر من غيرهم ممن نشأوا في بيئة عدوانية أو مفككة..
.....
فلتشاركيه اللعب..
- لأن اللعب كما أسلفنا هو أداة الطفل الوحيدة وبوابته الأولى لاكتشاف العالم بل واكتشاف ذاته واختبار قدراتها..
- لأن هذه المشاركة ستجسد رسالات من الحب والأمان والاهتمام تصله بسهولة أثناء اللعب..
- لأن مشاركته اللعب هي اللبنة الأولى في طريق الصداقة الطويل ، والممتد بينك وبين أطفالك ، والذي يمكن به أن تسهلي عملية التفاعل والتوجيه والتربية..
- لأنك بمشاركته اللعب ستتمكنين من توجيهه وتحسين قدراته الإدراكية وتنميتها من خلال تزويده بالكثير من المعلومات حول لعبته ؛ فيصبح اللعب وسيلة حقيقية لاكتشاف معالم الحياة ..
مثال ذلك : استغلال اللعب لتعريف الطفل بالأسماء والأشكال والأحجام والألوان والأصوات والفوائد والمميزات لكل ما تلمسه يداه وتدركه حواسه من الألعاب..
- تزويد الطفل بالقيم الإيجابية ، بل وتعديل قيمه السلبية كالتخلص من الأنانية ، والالتزام بقوانين المشاركة ..
مثال : كانت الأم تراقب ابنها أثناء لعبه ، وعندما كان يخسر مع رفاقه أو لا يفوز يصرخ بصوت مرتفع ويثور ، قالت الأم كيف سيتقبل خسارته في المستقبل في أي مشكلة ، فقررت أن تدخل كطرف في اللعبة ، وعندما خسرت تقبلت الأمر ببساطة وهدوء .. وقالت بسيطة سأفوز في المرة التالية ، فبدأ الطفل ينتبه لردة فعلها ويصغي لكلماتها ، وبعدها لم يعد يرفع صوته إذا خسر..
- إثراء الطفل لغوياً من خلال اللعب ، فيمكن للأم إدخال مفردات فصحى جديدة أثناء اللعب أو تعديل الكلمات الخاطئة ، أو تعويده طريقة النطق ومخارج الألفاظ بدقة..
مثال: استخدام قصة طريفة أو محببة وتمثيلها باللغة العربية الفصحى ، وتعويد الطفل النطق بها بصورة صحيحة..
- اللعب مع الطفل يحقق قدراً عالياً من المتعة بالنسبة له ؛ لذا يمكن استخدامها كوسيلة لعقاب الطفل بالتلويح بالحرمان منها عند ارتكاب الأخطاء ، وهو ما يساعده على الوصول إلى الطاعة بهدوءٍ وحب..
ولا أعني بذلك أن تحاصر الأم طفلها وتحظر عليه اللعب منفرداً أو مع جماعة الأقران..ولكن حاولي أن تنتشلي نفسك من واجباتك وأعبائك الثقيلة ؛ لتتحرري معه في عالمه الصغير الجميل بمدركاته البسيطة وملامحه الطفولية ، ولو لساعة يومياً ، وتشاركيه أولى خطوات طريق الصداقة والحب الذي سيجمع بينكما عبر السنوات الممتدة..
التعليقات
موضوع جدير بالتنبيه إليه
جزاك الله خيراً من كل قلبي لأن الدين النصيحة ومهما بلغنا من علم ودراية لهذه الأمور فعلى حد قولك تداهمنا المشاغل وتنسينا اهميتها وأن التسويف في إنجازها سينعكس علينا بآثار سلبية لا نشعر بها إلا بعد فوات الآوان0
:)
كما أن العلاج باللعب يعتبر طريقة فعالة للعلاج النفسي للاطفال الذين يعانون من بعض المخاوف او التوترات النفسية..
أسعدكِ الله
بوركتم
بوركتم
سعدت بمروركن
ولعلها تجربة تستحق التعميم..فاستخلاص ساعة يومياً للعب مع الأطفال سيزيد من تحسن نمط العلاقة بين الأبناء والآباء ، ويجنبهم الكثير من المشكلات في المستقبل
شكرا أختنا شروق
جزى الله أختنا شروق خيرا على هذا المقال وأمثاله من المقالات التي تجعل المرء ينظر إلى بيته متأملاً .
تجربة أم :
لا أزال أشعر بتأنيب الضمير كلما تذكرت طفلي ذلك اليوم يرجوني طالبا : "العبي معنا "
ذلك لأني كلما شعرت بتعب نفسي : تركته وإخوانه يلعبون وأكتفي بالنظر إليهم واجمة حزينة ، وكانوا يقرأون تلك المشاعر في وجهي فيهابون من طلب اللعب معهم .
عندما ألعب معهم أجدهم يضحكون من أعماق قلوبهم ، ضحكات عذبة رائعة أيما روعة .. يشعرون بحناني وقربي .. يشعرون بالأمان .. وأكاد أبكي أمامهم حين أشعر بالسعادة معهم وأتناسى أحزاني .
أعترف بأني أقصر كثيرا في حقهم .
نصيحتي لكل أم انشغلت عن أبنائها :
اللعب مع الأبناء .. قمة السعادة ! "