صورة من حياتها

عندما التقيتها أول مرة بثيابها التقليدية ومنزلها الضيق وحجرتها ذات الأضواء الخافتة الباهتة شعرت بالأسى من أجلها ، أهذه حياتها وهذا حالها؟؟! ..بيتٌ متواضع.. أضواءٌ باهتة.. عالمٌ مغلق.. عمل لا ينتهي إلا على عتبات فجر يوم جديد..
كان اللقاء صادماً فقد كنت قد غادرت لتوي الشوارع المرصوفة.. الأضواء المبهرة.. المتنزهات العامة التي تحفل بضجيج الناس.. واجهات المحلات المضيئة التي تعرض أحداث الأزياء العصرية..
ثم كان سفراً طويلاً انتقل بي إلى أجواء الأزقة الضيقة في دروب القرية الصغيرة ..ومن بين البيوت الصغيرة والجدران المتلاصقة كان بيتها المتواضع وعالمها باهت الأضواء..
لكن ابتسامة صافية رقراقة نبتت على وجهها عند رؤيتي.. انتزعتني من أفكاري لأستفيق على موجات من الود والترحاب تجتاح هذه الدار الصغيرة وتحيط بي..
كانت نظراتها تصافحني وكلماتها تملأ الأجواء حرارة ودفئاً ..تحول البيت الصغير المتواضع إلى واحةٍ طيبةٍ خصبة يمنح ساكنوه ويبذل أصحابه كل ما يستطيعون للترحاب بالضيف..
تراصت أنواع الطعام المختلفة التي تفننت صانعتها في التنويع فيها ، على بساطتها وضيق حال أصحابها..
شعرت بأن ثمة أعماقاً أخرى وأغواراً سحيقة يخفيها هذا المظهر المتواضع وذلك المنزل البسيط..
راقبتها.. اقتفيت أثرها.. طاردت أخبارها ..علمت عنها الكثير والكثير مما أبهرني وأعجزني عن الإدراك..لقد كانت هذه المرأة البسيطة كل شيء عرفته وكل شيء كنت أجهله..
رأيتها أماً لجيش من الأبناء تحمل وتضع.. ترضع وتهدهد.. تحنو وتقسو وتطبطب.. رأيتها تاجرةً تبيع وتشتري.. تثمن وتقدر.. تفصل وتدقق.. دون أن تغادر منزلها بل وربما جدران حجرتها ..رأيتها صانعة تتقن الصناعات الغذائية السريعة والخفيفة والجافة والمحفوظة.. والتي تجعلها رصيداً في خزينة الأسرة المكبلة بأعباء الحياة..
رأيتها طبيبة تطبب وتداوي وتصف وتعالج بحكمة وخبرة واقتدار..رأيتها قاضية تقضي بين الجميع بما يوفق بينهم ويرضي جمعهم..
رأيتها خبيرة اقتصادية تتقن إدارة الحياة في وقت الأزمات وفي أيام الشدائد..
رأيتها تسهم وتساهم وتسند وتشارك وتدفع بيديها المتعبة مسيرة الأيام لتكون عوناً على الدهر لا عوناً له.. رأيتها عاملة وعالمة وعليمة ومستشارة ..وزيرة اقتصاد ووزيرة عدل وسفيرة حب وحكمة..رأيتها وعلمت كيف أنها غائرة الأعماق ثرية القدرة والقدرات..
..................
مهلاً فقد أقبل..يطرق باب الدار.. يطرق شغاف القلب.. فيشع الوجه بشراً وبشرى وبهاءً وحبوراً..
كل شيء يختلف الآن: الصغير والكبير ينتفض لاستقباله والقيام على شئونه والوفاء بحاجاته..يصمتون انتظاراً لكلماته وينصتون إذعاناً لأوامره ويقفون احتراماً لظلال هيبته..
يقبل فيحمل معه لها رياح الحياة ونسمات الوجود..
هي نقصان يكتمل بوجوده..هي حرف ينتظم به في عقد الكلمة والجملة والعبارات..هي لفظ يبحث فيه عن المعنى الذي يمنحه القيمة ويكتب صفحات ميلاده على مسرح الحياة..
هي به كل شيء وهي له كل شيء..معانٍ رائعة قلما تملحها أو تجدها إلا عند امرأة القرية عند لقاء زوجها ؛ فهي نبعٌ من المشاعر الصافية الرقراقة الذي لم يتكدر بمخالطة الغرباء ومباسطة الزملاء وملاطفة الأصدقاء..
هو رجل حياتها الأوحد.. وهي له معين بكارة المشاعر والحس والقسمات الذي لا ينضب ..
هي ذاتٌُ لم تتبعثر عبر الأجواء بحثاً عن ذات مزعومة في الدروب والطرقات وعلى صفحات الشهادات الورقية..هي ذاتٌ تذوب في ذاته بل في ذواتهم جميعاً فتكون تاريخاً تختط سطوره كلما خطى أحدهم خطوته نحو النجاح أو التفوق أو التميز أو الاستقرار..
هي طاقة لا تنضب.. تنتفض في جوارحهم جميعاًً فيستمدون منها القوة والسعادة والثقة..
هي شمعة لا تنطفيء يستأنس الجميع بنورها ، وتذوب في هدوء لتمنح الجميع ما يبغون وتحيطهم بالدفء الذي يرجون..
إنها ..إنها.. امرأة القرية التي عرفتها..
..........................
على هامش الصورة: أكد تقرير حديث أن أغلب نساء العظماء هن من القرويات البسيطات اللاتي لم ينلن حظاً من التعليم ، وأن هذه الأم استطاعت أن تنجب وتربي هؤلاء العظماء..

 

التعليقات

قالب الموضوع

قالب الموضوع جميل والأجمل هو المضمون...ولكن ألست معي أستاذتي الفاضله في مسألة الزمن الذي تحتاجه هذة الام للقيام للقيام بكل هذة الأعمال لا تقولي لي انها ترتب وقتها كما يقول من أشكو له عن ضيق وقتي وانه لا يكفيني للقيام بكل اعمالي اليوميه حتى إقتصرت على وقت بسيط جدا لنفسي ثم يسلبها اطفالها الكثير من وقتها حتى جاء زوجها ولم تنتهي بعد من اعداد طعامه او ترك لها ابنها الذي يبكي على كتفها شيئا من الوقت لتتزين لزوجها وتفرغ نفسها له...ثم انها بشر فان ابدعت في علاقتها الزوجية ...او استطاعت ان تتخلص من عصبيتها عندما تطبطب على أبنائهاوتغمرهم بحبها وحنانها....او كانت طباخه ماهره تفي باحتياجات بيتها  من الغذاء ...فلا يمكن لها ان تقوم بذلك كله فان ابدعت بناحيه فلا بد من وجود النقص في جانب اخر  ...فالله وزع القدرات بين البشر ولم يجعلها في إنسان واحد كامله ياليت هذه الام قصرت في احد هذه الجوانب بسبب التعب وبذل نفسها لا سرتها