ذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، قال: بلغني عن عمرو بن مسعدة، أنه قال: كنت مع المأمون عند قدومه من بلاد الروم، حتى إذا نزل الرقة، قال لي: يا عمرو، أما ترى الرخجي، قد احتوى على الأهواز، وهي سلة الخبز، وجميع الأموال قِبَله، وقد طمع فيها، وكتبي متصلة في حملها، وهو يتعلل، ويتربص بنا الدوائر.
فقلت: أنا أكفي أمير المؤمنين هذا، وأنفذ من يضطره إلى حمل ما عليه.
فقال: ما يقنعني هذا.
قلت: فيأمر أمير المؤمنين بأمره.
قال: تخرج إليه بنفسك، حتى تصفده بالحديد، وتحمله إلي، بعد أن تقبض جميع ما في يده من أموالنا، وتنظر في ذلك، وترتب فيه عمالاً.
فقلت: السمع والطاعة، فلما كان من غد، دخلت إليه.
فقال: ما فعلت فيما أمرتك به ؟ قلت: أنا على ذاك.
قال: أريد أن تجيئني في غد مودعاً.
قلت: السمع والطاعة، فلما كان من غد، جئت مودعاً.
فقال: أريد أن تحلف لي، أنك لا تقيم ببغداد إلا يوماً واحداً، فاضطربت من ذلك، إلى أن حظر عليَّ واستحلفني أن لا أقيم فيها أكثر من ثلاثة أيام، فخرجت، وأنا مضطرب مغموم.
وقلت في نفسي: أنا في موضع الوزارة، وقد جعلني مستحثاً إلى عامل، ومستخرجاً. ولكن أمر الخليفة لا بد من سماعه، وأمتثال مرسومه.
وسرت حتى قدمت بغداد، ولم أقم بها إلا ثلاثة أيام، وانحدرت منها في زلال، أريد البصرة، وجعل لي فيه خيش، واستكثرت من الثلج لشدة الحر.
فلما صرت بين جرجرايا، وجبل، سمعت صائحاً من الشاطئ، يصيح: يا ملاح، فرفعت سجف الزلال، فإذا بشيخ كبير السن حاسر الرأس، حافي القدمين، خلق القميص.
فقلت للغلام: أجبه، فأجابه.
فقال: أنا شيخ كبير السن، على هذه الصورة التي ترى، وقد أحرقتني الشمس، وكادت تتلفني، وأنا أريد جبل، فاحملوني معكم، فإن الله عز وجل يحسن أجر صاحبكم.
قال: فشتمه الملاح، وانتهره.
فأدركتني عليه رقة، وقلت للغلام: خذه معنا، فقدم إلى الشط، وصحنا به، وحملناه.
فلما صار معنا في الزلال، وانحدرنا، تقدمت، فدفع إليه قميصاً، ومنديلاً، وغسل وجهه، واستراح، فكأنه كان ميتاً عاد إلى الدنيا.
وحضر وقت الغداء، فتذممت وقلت للغلام: هاته يأكل معنا.
فجاء وقعد على الطعام، فأكل أكل أديب، نظيف، غير أن الجوع قد أثر فيه.
فلما رفعت المائدة، أردت أن يقوم ويغسل يده ناحية، كما يفعل العامة، في مجالس الخاصة، فلم يفعل، فغسلت يدي.
وتذممت أن آمر بقيامه، فقلت: قدموا له الطست، فغسل يده، وأردت بعدها أن يقوم لأنام، فلم يفعل.
فقلت: يا شيخ، أيش صناعتك ؟ قال: حائك، أصلحك الله.
فقلت في نفسي: هذه الحياكة علمته سوء الأدب، فتناومت عليه، ومددت رجلي.
فقال: قد سألتني عن صناعتي، فأجبتك، فأنت- أعزك الله- ما صناعتك ؟فأكبرت ذلك، وقلت: أنا جنيت على نفسي هذه الجناية، ولا بد من احتماله، أتراه- الأحمق- لا يرى زلالي، وغلماني، ونعمتي، وأن مثلي لا يقال له مثل هذا ؟ ثم قلت: أنا كاتب.
فقال: كاتب كامل، أم كاتب ناقص ؟ فإن الكتاب خمسة، فمن أيهم أنت ؟فورد علي من قول الحائك، مورد عظيم، وسمعت كلاماً أكبرته، وكنت متكئاً، فجلست.
ثم قلت له: فصل الخمسة.
قال: نعم، كاتب خراج، يقتضي أن يكون عالماً بالشروط، والطسوق، والحساب، والمساحة، والبثوق، والفتوق، والرتوق.
وكاتب أحكام، يحتاج أن يكون عالماً بالحلال، والحرام، والاختلاف، والاحتجاج، والإجماع، والأصول، والفروع.
وكاتب معونة، يحتاج أن يكون عالماً بالقصاص، والحدود، والجراحات، والمراتبات، والسياسات.
وكاتب جيش، يحتاج أن يكون عالماً بحلى الرجال، وشيات الدواب، ومداراة الأولياء، وشيء من العلم بالنسب والحساب.
وكاتب رسائل، يحتاج إلى أن يكون عالماً بالصدور، والفصول، والإطالة، والإيجاز، وحسن البلاغة، والخط.
قال: فقلت: أنا كاتب رسائل.
قال: فأسألك عن بعضها ؟ قلت: سل.
قال: أصلحك الله، لو أن رجلاً من إخوانك تزوجت أمه، فأردت أن تكاتبه مهنئاً، فماذا كنت تكتب إليه ؟ ففكرت في الحال، فلم يخطر ببالي شيء، فقلت: اعفني.
قال: قد فعلت، ولكنك، لست بكاتب رسائل.
قلت: أنا كاتب خراج.
قال: لا بأس، لو أن أمير المؤمنين ولاك ناحية وأمرك فيها بالعدل والإنصاف، وتقصي حق السلطان، فتظلم إليك بعضهم من مساحك، وأحضرتهم للنظر بينهم وبين رعيتك، فحلف المساح بالله العظيم، لقد أنصفوا، وما ظلموا، وحلف الرعية بالله العظيم، أنهم قد جاروا وظلموا، وقالوا لك: قف معنا على ما مسحوه، وانظر من الصادق من الكاذب، فخرجت لتقف عليه، فوقفوا على قراح شكله: قاتل قثا، كيف كنت تمسحه ؟ فقلت: كنت آخذ طوله على انعواجه، وآخذ عرضه، ثم أضربه في مثله.
قال: إن شكل قاتل قثا، يكون رأساه محددان، وفي تحديده تقويس.
قلت: فآخذ الوسط فأضربه بالعمود.
قال: إذاً ينثني عليك العمود. فأسكتني.
فقلت: أنا لست كاتب خراج.
قال: فإذاً ماذا ؟ قلت: أنا كاتب قاض.
قال: لا تبال، أفرأيت لو أن رجلاً توفي، وخلف امرأتين حاملتين، إحداهما حرة، والأخرى سرية، وولدت السرية غلاماً، والحرة جارية، فعمدت الحرة إلى ولد السرية فأخذته، وتركت بدله الجارية، فاختصمتا في ذلك، كيف الحكم بينهما ؟ قلت: لا أدري.
قال: فلست كاتب قاض.
قلت: أنا كاتب جيش.
قال: لا بأس، أرأيت، لو أن رجلين جاءا إليك لتحليهما، وكل واحد منهما، اسمه، واسم أبيه، كأسم الآخر، واسم أبيه، إلا أن أحدهما مشقوق الشفة العليا، والآخر مشقوق الشفة السفلى، كيف كنت تحليهما ؟ قلت: أقول فلان الأعلم، وفلان الأعلم.
قال: إن رزقيهما مختلفان، وكل واحد منهما يجيء في دعوة الآخر.
قلت: لا أدري.
قال: فلست بكاتب جيش.
قلت: أنا كاتب معونة.
قال: لا تبال، لو أن رجلين رفعا إليك شج أحدهما شجة موضحة، وشج الآخر صاحبه شجة مأمومة، كيف تفصل بينهما ؟ قلت: لا أدري.
قال: إذن، لست كاتب معونة، فاطلب لنفسك- أيها الرجل- شغلاً غير هذا.
قال: فقصرت إليَّ نفسي، وغاظني، فقلت: قد سألت عن هذه الأمور، ويجوز أن لا يكون عندك جوابها، كما لم يكن عندي، فإن كنت عالماً بالجواب، فقل.
فقال: نعم، أما الذي تزوجت أمه، فتكتب إليه: أما بعد، فإن الأمور، تجري من عند الله، بغير محبة عباده، ولا اختيارهم، بل هو تعالى، يختار لهم ما أحب، وقد بلغني تزويج الوالدة، خار الله لك في قبضها، فإن القبر أكرم الأزواج، وأستر للعيوب، والسلام.
وأما قراح قاتل قثا، فيمسح العمود، حتى إذا صار عدداً في يدك ضربته في مثله، ومثل ثلثه، فما خرج فهو مساحته.
وأما الجارية والغلام، فيوزن اللبنان، فأيهما أخف، فالجارية له.
وأما المرتزقان المتوافقان في الاسمين فإن كان الشق في الشفة العليا، كتبت فلان الأعلم، وإذا كان في الشفة السفلى، كتبت فلان الأفلح.
وأما أصحاب الشجتين، فلصاحب الموضحة ثلث الدية، ولصاحب المأمومة نصف الدية.
قال: فلما أجاب في هذه المسائل، تعجبت منه، وامتحنته في أشياء غيرها كثيرة، فوجدته ماهراً في جميعها، حاذقاً، بليغاً.
فقلت: ألست زعمت أنك حائك ؟ فقال: أنا- أصلحك الله- حائك كلام، ولست بحائك نساجة، ثم أنشأ يقول:
ما مرّ بؤس ولا نعيم * إلاّ ولي فيهما نصيب
نوائب الدهر أدّبتني * وإنّما يوعظ الأديب
قد ذقت حلواً وذقت مرّاً * كذاك عيش الفتى ضروب
قلت: فما سبب الذي بك من سوء الحال ؟
قال: أنا راجل كاتب، دامت عطلتي، وكثرت عيلتي وتواصلت محنتي، وقلَّت حيلتي، فخرجت أطلب تصرفاً، فقطع علي الطريق، فتركت كما ترى، فمشيت على وجهي، فلما لاح لي الزلال، استغثت بك.
قلت: فإني قد خرجت إلى تصرف جليل، أحتاج فيه إلى جماعة مثلك، وقد أمرت لك بخلعة حسنة، تصلح لمثلك، وخمسة آلاف درهم، تصلح بها أمرك، وتنفذ منها إلى عيالك، وتتقوى نفسك بباقيها، وتصير معي إلى عملي، فأوليك أجله، إن شاء الله تعالى.
فقال: أحسن الله جزاءك، إذن تجدني بحيث يسرك، ولا أقوم مقام معذر إن شاء الله
فأمرت بتقبيضه ما رسمت له، فقبضه، وانحدر إلى الأهواز معي، فجعلته المناظر للرخجي، والمحاسب له بحضرتي، والمستخرج لما عليه، فقام بذلك أحسن قيام وأوفاه.
وعظمت حاله معي، وعادت نعمته إلى أحسن ما كانت عليه.
من كتاب الفرج بعد الشدة.