أعمل..ولكن داخل المنزل

تدور عجلة الحياة .. تتابع الخطى .. تتلاحق الأنفاس .. تتسارع الأحداث والمتغيرات .. يسرع الجميع ليأخذ دوره في قطار رحلة يومية لا تنتهي لسد حاجات العيش ، وتوفير مؤونة الأيام ، وتأمين غدرات المستقبل..
الكل مشغول مشحون مدفوع إلى غايته .. وأنت هنا قابعة بين جدران منزلك..
فتاة كنت أم زوجة أم أم .. أو حتى مسنة..
قد يتهمك البعض بالعجز.. وقد يصفك البعض بالبطالة .. وقد يضيفك البعض رقماً من أرقام الفئات المُعَالة والعالة على المجتمع ..
وأنت تراقبين هذا وذاك بصمت ..
لعلك هنا في بيتك في مهمة سامية .. أو وظيفة كريمة .. أو رسالةٍ لو علم الآخرون عظمها وجلالها لجالدوك عليها بالسيوف .. فأنت الابنة أو الزوجة والأم ركن البيت الركين ، وصانعة المستقبل ..
ولكنهم لا يزالون يرمونك بالنقص والعجز وضعف القدرة .. لا سيما ووتيرة الحياة في تصاعد ، وطاحونتها الدائرة لا ترحم ضعيفاً فقيراً أو عاجزاً .. فما موقفك من كل هذا؟؟
لنحاول معاً أن نضيء شمعة في هذه الأجواء الخانقة المظلمة ..
لنحاول معاً أن نرفع شعاراً جديداً لا يخل بمهامك وقداسة مكانتك داخل المنزل ، ولا يعزلك عن دائرة الحياة التي تتسارع في قوة لا تنتظر أحد..
لنحاول معاً أن نرفع شعار .. اعمل داخل المنزل..
تقول الدراسات : إن الصورة المعتادة لعمل المرأة خارج المنزل بدأت تتغير في البلدان الغربية التي طالما رفعت شعارات التحرر وتبنت دعوات خروج المرأة للعمل ، وأن هناك اتجاه متنامٍ لعودة المرأة للمنزل ، أو العمل من داخله:
ففي تقرير أعده مركز الدراسات السياسية ببريطانيا عام 2003 يتضح إن ما يقرب من نصف النساء العاملات يفضلن البقاء في المنزل مع أطفالهن في حالة عدم وجود احتياج مالي.
وفي عام 2006 أظهرت دراسة أجرتها الحكومة البريطانية أن عدداً متزايداً من الأمهات يرين أن رغبتهن في قضاء وقت أطول مع أبنائهن في المنزل تمنعهن من العمل لساعات طويلة.
في حين أظهرت دراسة حديثة أجراها معهد الأبحاث الاجتماعية والاقتصادية أن الإحساس بالرضا في العمل عند النساء اللاتي يرتبطن بشريك حياة يكون أكبر في حالة قيامهن بالعمل نصف الوقت فقط ، وبغض النظر عن حجم الوظائف التي يقمن بها.
كما أظهرت إحصائية حديثة أن ساعات عمل المرأة في بلد مثل فرنسا داخل المنزل بلغت 45 مليار ساعة في السنة ، في حين لم تتعد عدد ساعات العمل للقوى العاملة من الجنسين خارج المنزل 44 مليار ساعة.
ولفتت الإحصائية إلى أن ربة البيت تعمل أكثر من نظيرتها التي تعمل خارج المنزل باعتبارها "امرأة عاملة".
وفي مؤتمر العمالة الذي عقد في القاهرة عام 1991 اعترف 27% من النساء المتعلمات في المدن بعدم قدرتهن على التوفيق بين عملهن الوظيفي والعمل المنزلي ، في حين أفادت دراسة ميدانية للدكتور حسن شحاتة أستاذ المحاسبة في كلية التجارة في جامعة الأزهر أن المرأة العاملة خارج بيتها تنفق 40% من دخلها على المظهر والمواصلات .
ولعل هذه الأرقام والاحصائيات الحديثة تبين أن المرأة خرجت على وقع النداءات القديمة والشعارات البراقة التي وعدتها بحياة أفضل ومميزات أكبر هناك خارج المنزل حيث المكاسب الشخصية ووسائل تحقيق الذات المزعومة..إلا أن الحقائق التي تنجلي مع الزمن والتي توضح الآثار النفسية والجسدية والاجتماعية لخروج المرأة للعمل خارج المنزل ، هي التي تفسر تنامي هذا الاتجاه لعودة المرأة وتفضيلها البقاء بين أطفالها إذا لم تدعها الحاجة المادية لذلك..
وهنا نحن نطرح رؤية جديدة بدأت تتنامي وتتبناها البلدان الغربية (صاحبة الدعوات القديمة) من إمكانية عمل المرأة من داخل المنزل.
حيث أظهرت بعض الدراسات إلى أن المجتمع الأمريكي يشهد حركة تغيير في عمل المرأة ؛ فوفقاً لإحصائيات مكتب الأعمال النسائية التابع لمكتب إدارة الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية ، هناك أكثر من ثلاثة ملايين امرأة تدير عملها من منزلها ، كما أن العائد الذي يحققه العمل المنزلي للمرأة بات يمثل نحو ثلث الناتج القومي إذا قُيم بأسعار السوق ، كما أن متوسط قيمة الإنتاج المنزلي الذي تقوم به الزوجة الأمريكية يمثل نحو 60 في المائة من الدخل النقدي للأسرة.
وهنا نحن نطرح هذه الرؤية من جديد والتي كانت في الأساس وليدة مجتمعاتنا العربية المسلمة منذ زمن ، فقد عرفت هذه المجتمعات المرأة القروية البسيطة التي ترعى أبناءها وتقوم على شئون بيتها وفي الوقت ذاته تشارك زوجها عمل الحقل والزراعة وحياكة المنسوجات وبعض الصناعات الغذائية.
والتاريخ الإسلامي حافل بنماذج هؤلاء النساء اللاتي كن يمتهن حرفاً لا تضطرهن للخروج والاحتكاك بالغير ، وفي الوقت ذاته تدر عليهن دخلاً كريماً ؛ فهذه واحدة تعمل في صناعة المنسوجات فعن أبي حازم قال :"سمعت سهل بن سعد -رضي الله عنه -قال : جاءت امرأة ببردة قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها . قالت : يا رسول الله : إني نسجت هذه بيدي أكسوكها ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها ، فخرج إلينا وإنها إزاره.."، وهذه أم المؤمنين زينب بنت جحش_ رضي الله عنها_ كانت تدبغ الجلود كما أورد الحافظ ابن حجر أن زينب بنت جحش كانت امرأة صناعاً باليد كانت تدبغ وتخرز ( تخيط بالجلد) وتتصدق في سبيل الله ، وعن عائشة -رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً) قالت: "فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق."
وهذه ثالثة تربي الغنم فعن أم هاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها(اتخذي غنماً فإن فيها بركة) ، وهذه رابعة تعلم الكتابة والرقية من الأمراض ؛ فعن الشفاء بنت عبد الله قالت : دخل علينا النبي -صلى الله عليه وسلم_ وأنا عند حفصة فقال لي :( ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة ) ..
وهذه خامسة تعمل في مجال الصناعات المنزلية ؛ فعن رائطة امرأة عبد الله وكانت امرأة صناعاً وكانت تبيع وتتصدق فقالت لعبد الله يوما:" لقد شغلتني أنت وولدك فما أستطيع أن أتصدق معك..."
وإذا كانت هذه المهن البسيطة حظيت بمباركة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم ، فإن التقدم التكنولجي في عصرنا فتح المجالات بصورة أكبر لأن تتسع مثل هذه المهن وتتنوع وتتمكن المرأة من العمل داخل منزلها في مجالات عدة ، استغلالاً لطاقاتها وشغلاً لأوقات فراغها وتوفير قدر من المساندة المادية لأسرتها..بما لا يتعارض مع مهامها الأساسية كزوجة وأم ..
وهنا نضع بعض التصورات للمجالات التي يمكن أن تعمل المرأة فيها داخل المنزل:
-الصناعات اليدوية:خياطة وحياكة وتطريز-صناعات القش والحصير -الصناعات الفخارية-استخراج الزيوت والعطور.
-الصناعات الغذائية:تصنيع مشتقات الألبان-صنع المربيات والمخللات - الأفران المنزلية(حلويات وأطعمة منزلية) .
تنظيف وإعداد وتغليف الفواكه والخضر للاستخدام المباشر
- الأعمال الزراعية وتسويق منتجاتها وتربية الحيوانات والاستفادة من منتجاتها تصنيعاً وتسويقاً.
- أعمال اجتماعية كحضانة الأطفال مثلاً.
- الأعمال الفنية والرسم ومنها تصميم صفحات للمجلات والصحف.
- الأعمال الكتابية وأعمال الطباعة(طباعة أبحاث علمية).
- أعمال خاصة كالدراسة عن بعد في الجامعات.
- الترجمة ، والتلخيص ، ومراجعة الأبحاث العلمية ، والتدقيق اللغوي..
- قيام النساء العاملات في مجال الدعوة بالدعم اللوجستي للمؤسسات الإسلامية من خلال أمور عديدة منها:-
أ) متابعة ما يكتب حول بعض القضايا مثل ما يخص المؤسسات الإسلامية والعمل الخيري وتقديم هذه المعلومات والدراسات بعد إعدادها وترتيبها إلى الجهات المعنية.
ب) رصد الكتّاب الذين يعنون بقضايا المسلمين سواء من كان منهم مناصراً أو معادياً وتزويد الجهات المعنية بذلك ليحسن التفاعل معهم.
ج) متابعة نشاطات المؤسسات المشابهة والإفادة من برامجها وتجاربها.
- ومن المجالات الواسعة تصميم الأفلام الإلكترونية على الحاسوب المنزلي سواء كانت موجهة للأطفال أو الكبار أو بشكل دعايات وفلاشات .
- إنشاء مواقع خاصة تخدم فكرة معينة ، أو المشاركة في مواقع قائمة بالأخبار والمقالات والملفات المتخصصة..
- العمل المنزلي التعاوني بأن تقوم كل واحدة في بيتها بإنجاز مرحلة من مراحل العمل ثم تجميعه وتسويقه سواء كانت منتجات مادية مثل الخياطة حيث تقوم كل واحدة بإنجاز مرحلة كالقص مثلاً وأخرى الخياطة وثالثة التسويق وهكذا ...أو بمشروع فكري كعمل مجلة ...تقوم كل واحدة بعمل مرحلة من مراحلها.
- التواصل الفكري مع العالم مثل مكاتبة المجلات والصحف ووسائل الإعلام المختلفة والمؤتمرات والندوات العلمية ورصد ما يكتب فيها حول المؤسسات الإسلامية والكتابة إليها بالتأييد أو الاعتراض.
**وعند البدء في اختيار عمل منزلي لابد من اتباع خطوات محددة: مثل التخطيط الجيد من خلال عمل حصر بالمهارات والقدرات ، ثم عمل دراسة عن المشروع المقصود القيام به من حيث حساب التكاليف أو التمويل أو وسائل التسويق والدعاية له ، ومن المهم الأخذ بمشورة من سبق إلى هذا العمل والإفادة بخبراتهم وتجاربهم في هذا المجال.
ولا ننسى أن أهم عوامل النجاح الاستعانة بالله عز وجل والانخراط في العمل بإخلاص ومحبة.[1]


[1] لمؤتمر العالمي العاشر للندوة العالمية لشباب العالم الإسلامي، الشباب وبناء المستقبل ، **القاهرة 1427هـ