إذا تصفحت الصحف السيارة ، وشاهدت القنوات الفضائية ، وطالعت منتديات الإنترنت ، فوجدت موضوعاً واحداً يخوض فيه الكُتَّاب ، وتُسلطُ عليه الأضواء ، وتُعقد من أجله الندوات ، فلن تحتاج إلى ذكاء كبير لتكتشف أن في الأمر مؤامرة ، وأن وراء الأكمة ما وراءها..
وأنا من الذين يؤمنون أن أغلب صحافتنا العربية التي تتسم بالسخف والجهل والسطحية ليست سوى ظِلٍّ باهت لأجهزة بعينها (في الداخل والخارج) سيطرت منذ عهدٍ بعيد على مقاليد الأمور ، وتحكمت في مساراتها المختلفة كما يتحكم الممثل المختفي بالعرائس والدُمى في مسارح خيال الظل .. تأكد لي هذا (ولم أكن محتاجاً لتأكيد) عندما طالعت بعض الصحف المصرية والعربية هذا الأسبوع .. فبعد الحملة المنظمة الجائرة على (حماس) وصواريخها (التنك) ـ كما يسميها أحد الخوارج السابقين والرويبضات الحاليين ـ جاءت حملة أخرى منظمة وجائرة أيضاً على الدعاة والمصلحين الذين اجتهدوا هذه الأيام في انتشال الناس من وهدات العفن الفكري ، والتخلف الأخلاقي ، والسطحية الدينية ..
وقد كانت الحملة الصحفية على (حماس) ـ كما ظهر بعد ذلك ـ مقدمة تبريرية للهجمة الوحشية الإسرائيلية الأخيرة على غزة .. وكأن الصحافة العربية شاركت في تهيئة الأجواء العربية لتقبل الوحشية الإسرائيلية التي لم تستثن النساء والأطفال والشيوخ .. وأنا أخشى أن تكون الحملة الصحفية الحالية على الدعاة والمصلحين مقدمة تبريرية (لشيئ ما) يدبر في الخفاء لهم .
......................
......................
(الدعاة الجدد .. دعاة البدلة والكرافتة .. دعاة الخمس نجوم .. دعاة الفنادق والنوادي ..)
كلها مصطلحات أطلقتها عليهم (مجلة) يأكل كُتَّابُها العيش من وراء الهجوم على الإسلام وإهانة رموزه ، ونشر ثقافة التجهيل والتغييب المغلفة بالعري ؛ من أجل جذب القراء وتحقيق المبيعات .
ولم يكتف هؤلاء بالحملات المسعورة في الجرائد والمجلات ولكنهم ولوا وجوههم الكالحة ـ بما لهم من نفوذ ـ شطر القنوات الفضائية ؛ فاستحدثوا حلقة خاصة في برنامج جماهيري واسع الانتشار، عن (الدعاة الجدد) وأرسلوا ثلاثة رجالٍ (مندوبين عنهم) .. مُعَلِّماً وصبيين ..
أما الصبييان فلا يعرفهما أمير المؤمنين ، ولا يشرفه أن يعرفهما ، وأما المُعَلِّم فهو واحد من الذين إذا رأيتهم أو سمعتهم لا تتذكر شيئاً في الدنيا إلا رَدَّ أبي بكر الصديق رضي الله عنه على عروة بن مسعود في صلح الحديبية ..
(ومن أراد أن يعرف هذا الرد فليبحث عنه في كتب التاريخ) ..
هذا الرجل حالة فريدة من الجهل والضحالة والسطحية والنزق .. طَبَّلَ لكل راقص ، وهتف لكل راكب ، وأكل على كل مائدة .. وهو في الناس كَعَبَّاد الشمس في النبات ؛ فإذا كان عَبَّاد الشمس يدور مع الشمس حيث دارت فصاحبنا هذا يدور مع الدولار حيث دار ..
كانت الحلقة مزيجاً قبيحاً من المهاترات والمزايدات وعلو الصوت وانعدام الفائدة .. اللهم إلا وضوح كمية الحقد والحسد التي طفحت على ألسنة هؤلاء ، بعد أن أكلت قلوبهم ، وأعمت أبصارهم ؛ حين أدركوا أن زمن الكذب والدجل والتغييب والظلامية الذي كانوا رجاله وأساطينه قد بدأ يتقهقر أمام الزحف الكبير للحقائق الساطعة والنور الكاشف الذي حمل لواءه هؤلاء الدعاة .
ويبدو أن محاضرة الشيخ (عايض القرني) في معرض الكتاب بالقاهرة كانت (القشة) التي قصمت ظهر البعير ، أو(الجرس) الذي نبه (حجاج السفارات) إلى أن يتحسسوا مواقع أقدامهم قبل أن تنهار صروحهم الإعلامية المتهالكة على رؤوسهم ؛ فيخسروا الدنيا كما خسروا الآخرة .
لقد اتهموا (الدعاة الجدد) ـ كما يسمونهم ـ بالتكسب بالدين والمتاجرة به ، واستدلوا على ذلك بانتشار مصانع ملابس المحجبات والمنتقبات ، وكأن العلماء والدعاة لا هَمَّ لهم إلا تشييد المصانع ، وفتح (الدكاكين) والبحث عن المكاسب ؛ فإذا انتشر الحجاب فإن (الدعاة الجدد) هم من يخيط هذا الحجاب ، وإذا ظهر السواك فإن (الدعاة الجدد) هم من يستورد الشحنات الكبيرة (بالعملة الصعبة) من أودية الأراك في الجزيرة العربية ، وإذا اكتسح الشريطُ الإسلاميُ السوقَ بثمنه الزهيد فإن (الدعاة الجدد) هم من يؤسس التسجيلات الإسلامية ؛ ليتربحوا من ورائها ..
أرأيتم سفهاً مثل هذا !!
لقد أقسم لي أحد معارفي ـ ويعمل مذيعاً في قناة دينية مشهورة ـ أن الدعاة الذين يظهرون على شاشة هذه القناة بالساعة والساعتين لا يأخذون قرشاً واحداً من القناة ، بل ويرفضون أن تُوصلهم سيارات القناة إلى بيوتهم بعد انتهاء الحلقات ، ويدفعون أجور المواصلات من جيوبهم محتسبين ذلك عند الله .. وهم لو طلبوا المال واشترطوه لما لامهم عاقل ؛ فقد ربحت القناة من ورائهم في شهر رمضان فقط ما يزيد على خمسة ملايين جنيه .. وليس معنى امتناع بعض الدعاة عن أخذ المال أن أخذه حرام .. كلا ؛ فإن هذه الحلقات والندوات والمحاضرات إذا أصبحت تأكل جُلّ وقت الداعية ؛ ففرغ نفسه لها ، وترك عمله الذي يرزقه الله من خلاله ، فلا بأس أبداً بأخذ المال ، بل والاشتراط فيه بدون إفراط أو تفريط .. وعهدنا في الدعاة أن همهم الأكبر منصب على عقول الناس بالتوعية وليس على جيوبهم بالتربح .. ورغم هذا يأتي (حَشَّاشٌ) لا يصحو من الخمر إلا إلى الحشيش ـ وأنا أعني ما أقول ـ ليتهم الدعاة بالسعار المادي واستغلال أموال الأثرياء التي جُمعت من سرقة أقوات الشعب ، ونهب اقتصاد البلد ؛ ليغسلوها لهم في الندوات والمحاضرات الدينية .. وكأنه يخاف على قوت الشعب واقتصاد البلد ، وهو يعرف أن هذا البلد يصل أجر المغني فيه في ليلة رأس السنة أو (ليلة رقص السنة) إلى (مائة وخمسين ألف) دولار .. أما أسعار الراقصات في الساعة الواحدة فهذا حديث آخر يطول شرحه ولا نريد أن (ننكش القمائم) حتى لا تزكم أنوفنا الروائح المنتنة ..
ثم إن هذا الرويبضة الذي يدعي الثبات على المبدأ والخوف على أقوات الناس من المشهورين بتغيير مبادئه كما يغير ملابسه ؛ طلباً للمال والجاه والسلطان ، ولا يعمل إلا رئيس تحرير ، فإذا زاد (اليمين) قرشاً واحداً في راتبه ترك (اليسار) بكل مبادئه وانتقل إلى (اليمين) والعكس صحيح ..
ثم كانت التهمة الثانية التي ألصقوها بالدعاة هي (انعدام التخصص) .. فأكثر هؤلاء الدعاة كان عمله الأصلي طبيباً أو مهندساً أو محاسباً ، وقلة منهم درست العلم الشرعي في مؤسساته الرسمية كالأزهر مثلاً ..
وهذه التهمة أضحكتني كثيراً ، وذكرتني ب(الأحنف بن قيس) رحمه الله عندما أعجبه فتى حسن السمت كثير الصمت ، يطيل الجلوس في حلقته فأراد الأحنف أن يختبره ـ وخلت الحلقة يوماً ـ فقال له : تكلم يابن أخي ، فقال الفتى : ياعم أرأيت لو أن رجلاً سقط من شرفة هذا المسجد أكان يضره شيئ ؟ فقال الأحنف : يابن أخي ليتنا تركناك مستوراً .
وليت هؤلاء ستروا أنفسهم وأخفوا فضائحهم .. ولكن كيف يسترون أنفسهم وقد قال الأحنف أيضاً : (من كل شيئ يٌحفظ الأحمق إلا من نفسه) .. ولعل بعض القراء الأفاضل لا يعرف أن غالبية الذين قُدِّر لهم أن يسيطروا على مقدراتنا الثقافية منذ الخمسينات من القرن العشرين إلى الآن ، كانوا في الأصل بين مكوجي ، وتومرجي(ممرض) وبوسطجي(ساعي بريد) ، وراسب ثانوية عامة ، وحاصل على دبلوم زراعة ، وحامل شهادة متوسطة في السياحة والفنادق .. بل إن هذا الذي يتهم الدعاة بانعدام التخصص لم يكن سوى موظف صغير(كاتب) في قسم شرطة في حي شعبي بالقاهرة .. ثم أريد (له ولهم ولهن) أن يصبحوا كتاباً كباراً فأصبحوا كتاباً كباراً .. واقرأوا إن شئتم كتاب (من يدفع أجر العازف) للكاتبة البريطانية (فرانسيس ستونز) ؛ لتعرفوا كيف يُصنع هؤلاء .
ونحن لا نحتقر هذه المهن ولا تلك التخصصات ؛ فالعقاد رحمه الله لم يحصل على الابتدائية .. ولكنه أصبح العقاد ، وعندما أرادوا أن يمنحوه الدكتوراه الفخرية رفض وقال : ومن في مصر أرضى أن يمنحني إياها.. وغالبية العظماء الأفذاذ في تاريخ الشعوب كانوا (كذيل السمكة) لا يُؤبه لهم ، ولا يُنظر إليهم .. إلى أن وصلوا إلى أعلى الدرجات وأعظم المناصب بجدهم واجتهادهم (أقول بجدهم واجتهادهم) وليس بتلك الأساليب القذرة التي اتبعها هؤلاء ليصلوا إلى تلك المناصب .
ثم إن الإسلام لا كهنوت فيه ، والعلم متاح للجميع ، من أراده وصبر عليه ، ناله وشَرُفَ بِه ؛ فإذا كان ثمة طبيب أعطاه الله بعض الحكمة فَحَصَّلَ العلم الشرعي ونشره بين الناس ؛ فأفاد واستفاد .. فما المانع من هذا .. هل نستطيع أن نرفض شعر (إبراهيم ناجي) لأنه طبيب ، أو شعر (على محمود طه) لأنه مهندس ، أو حركية (حسن البنا) لأنه مدرس ، أو تفسير (سيد قطب) لأنه أديب .. لقد دَرَّسَنَا في الجامعات علماءٌ كبار لم نكن نعرف آنذاك أنهم لم يحصلوا إلا على الابتدائية القديمة ، وكنا نرى أساتذتنا من حَمَلَةِ درجات (الماجستير والدكتوراه) يُقَبِّلونَ رؤوسهم وأيديهم ، وما انتفعنا بكثير علمٍ من حملة (الماجستير والدكتوراه) كما انتفعنا بعلم هؤلاء الذين كانوا سداً منيعاً في وجه المغرمين بالقص واللصق .. فلما رحل هؤلاء أصبحت جامعاتنا آخر مكان يفكر في قصده طالب علم .
ثم هل سَلِمَ الأزهريون المتخصصون من حملات الكتبة الكذبة عليهم .. ألا نقرأ في الجرائد ونسمع في الفضائيات صباح مساء الهجوم على الأزهر ورجاله المغلوبين على أمرهم .. لقد كان عادل إمام (أكرمكم الله) يسخر في مسرحياته وأفلامه من الزي الرسمي للأزهر( الجبة والقفطان) ثم سمعته هذه الأيام يسخر من الدعاة الذين يرتدون (البِدَل الغربية) ويقول : (أنا اشتقت أشوف واحد شيخ بجبة وقفطان) وهو لا اشتاق ولا يحزنون .. وإنما هي السخرية والغمز واللمز .. ولو لبس الشيوخ (الجبة والقفطان) أو (الجينز والتي شيرت) أو (العمائم والثياب) أو (خرجوا من جلودهم) لما سَلِموا من غمزه ولمزه وتفاهاته .. هو وأمثاله ..
ثم لماذا لا نسمع عن التخصص إلا إذا تعلق الأمر بالإسلاميين .. لقد وضع صحفي سفيه لا يعرف عن الدين شيئاً إلا ما قرأه في كتب (جورجي زيدان) .. وضع (أبا هريرة) رضي الله عنه هدفاً ورماه بعشر مقالات لم يخرج الناس منها بشيئ مفيد سوى أن هذا الصحفي لم يسمع عن أبي هريرة أصلاً إلا بعد أن بلغ سن الثلاثين .. ولم يكتف بهذا ، بل خُصص له برنامج في قناة فضائية ليتقيأ على المشاهدين حماقاته عن أبي هريرة والتاريخ الإسلامي .. ولم نسمع وقتها أحداً من هؤلاء تحدث عن (التخصص) بل هاجوا وماجوا ورفعوا لافتات (حرية الرأي) عندما تنازل بعض طلبة العلم ورد على هذا السفيه بمقالين اثنين كشفا عواره ، وفضحا جهله .
أما تغييب الناس عن واقعهم لتسهل السيطرة عليهم ( وهي التهمة الثالثة) للإسلاميين فلو جلستُ أحدثكم شهراً عن التغييب الذي مارسه العلمانيون على هذه الأمة منذ حملة اللص السفاح (نابليون) إلى الآن لما كان ذلك إلا نقطة في بحر أو حرفاً في سِفر .. وحسبكم أن تنظروا إلى واقعنا المعاصر لتعلموا عمق الفاجعة وفداحة الخطب .. بل حسبكم أن تعلموا أن هؤلاء الكَتَبَة أجبروا الأوساط الثقافية في بلادهم على الاحتفال بذكرى حملة نابليون (كبداية لعصر التنوير) ..
نابليون الذي داست خيوله صحن الأزهر الشريف ، ودنس جنوده أوراق القرآن الكريم ، وانطلقوا في شوارع القاهرة كالوحوش الكاسرة ؛ لقتل الأطفال واغتصاب النساء ونهب الأموال..
وما رأينا قبل ذلك أحداً يحتفل بذكرى قتل أطفاله واغتصاب نسائه ونهب أمواله ..
إن هذه التهم : المتاجرة .. انعدام التخصص .. التغييب .. ثلاث صفات لو فُصِّلنَ ثياباً لما لبسهن إلا الكتبة الكذبة الذين فكروا وقدروا وبحثوا عن أخس صفاتهم (وهي كثيرة) فألصقوها برجالٍ أقل ما يقال فيهم : أن أخطاءهم أصوب من صواب العلمانيين ـ إن كان للعلمانيين صواب ـ وصدق العربي القديم حين قال : (رمتني بدائها وانسلت) .
ونحن لا ندعي هنا أن الإسلاميين معصومون عن الخطأ ، أو أنهم فوق النقد ، ولكن أنت إذا انتقدك كاتب محترم في صحيفة محترمة فبين لك أخطاءك وووجهك إلى الصواب بأدب وموضوعية (حتى لو كان هذا الصواب هو قمة الخطأ في رأيك) .. فإن هذا محتمل .. بل جائز .. بل واجب ، وقبولك له فرض عليك .. أما أن يحدثك لصٌ عن الأمانة ، وجاهلٌ عن العلم ، وأحمق عن العقل ، وسفيه عن الحكمة ، وقَوَّادٌ عن الشرف .. فليس أمامك آنذاك إلا رد أبي بكر الصديق رضي الله عنه .