قاعة (السادس من أكتوبر) في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة لا تتسع لأكثر من خمسمائة شخص ، ولا أذكر أنني رأيتها ممتلئة من قبل رغم أنها مخصصة لندوات كبار المفكرين العرب والأجانب ( أو الذين يسمونهم كبار المفكرين ) ... هذه القاعة امتلأت عن آخرها وازدحم الناس في الساحات الواسعة أمامها حتى رأيتُ بعض رواد المعرض يجلسون على (سُلَّم) القاعة مظهرين التذمر والضيق لأنهم لا يكادون يسمعون صوت الشيخ (عايض القرني) الذي كان نجماً في سماء القاعة .
...............
لا أدري كيف رضي القائمون على أمر المعرض بدعوة الشيخ (عايض القرني) ؛ فقد تعودنا في معرض الكتاب أن نرى وجوهاً مكررة لا هَمَّ لأصحابها إلا الحديث عن الحرية ، والديمقراطية ، وحجاب المرأة ، والتخلف العربي ، والرجعية الإسلامية ، و(المكفراتية) الذين يريدون أن يُرجِعوا الناس إلى عصر الجمل ... ولا أذكر أنني رأيت مرةً كاتباً أو مفكراً إسلامياً أو معتدلاً (كما يسمونهم أحياناً) دُعي إلى المعرض ؛ فقد أصبح الاحتكار الثقافي سمة السادة المثقفين الذين أطاعوا (أبانا الذي في المباحث) كما يسميه (أمل دنقل) رحمه الله ، وسبحوا بحمده ، وقدسوه...
ورغم الدعاية الجبارة والزخم الإعلامي الذي يصاحب ندوات كبار(حاطبي الليل) والذي يكاد يستجدي من الناس الحضور إلا أن القاعات تظل في الأعم الأغلب فارغةً إلا من رجال يُحسنون التصفيق ، ونساء يُحسن التجمل .. وصدق ابن خالويه حين قال :
إذا لم يكن صَـدرُ المجالسِ سيداً
فلا خير فيمن صَـدَّرَتهُ المجالسُ
ولأنني أسيئ الظن دائماً في القائمين على أمر المعرض (وإساءة الظن في هؤلاء حسنة أتقرب بها إلى الله وأدعوه ألا ينزعها عني) فقد رأيت أسباباً وأسباباً وراء دعوة الشيخ (عايض) إلى المعرض ليس من ضمنها سبب واحد ينبئ عن تطورٍ في النظرة المتطرفة إلى أصحاب التيار الإسلامي أو كسر الاحتكار المضروب دونهم ...
لن أخوض في هذه الأسباب الآن ؛ فهي لا تعنيني ، وإنما الذي يعنيني هو التطور الديني المذهل في وعي الشعوب العربية ، والمحاولات الجادة للعودة إلى الذات ... ويبدو أن الناس لم تَعُد تثق في صوت آخر غير صوت الدين بعد أن جربت أصوات الغرب والشرق ، وانغمست في مستنقعات التيارات الوافدة التي جرت علينا المصائب والكوارث والويلات منذ عهد النهضة المزعوم حين دخل (نابليون) مصر ليدك القاهرة بمدافع العلم والتنوير، وحتى عهد العولمة المشؤوم حين دخل (بوش) العراق ليدك بغداد بقنابل الحرية والديمقراطية .. ويبدو أن مشاعل النور الفرنسية ونسائم الحرية الأمريكية لا يستحقهما (الأمميون الأغيار) أمثالنا إلا بعد أن يتجاوز قتلاهم المليون شهيداً .
محاضرة الشيخ (عايض) كانت يوم السبت وكنت في المعرض يوم الجمعة وشهدت الصلاة فيه ؛ فرأيت ما أثلج الصدر وأبهج الفؤاد .. رأيت فتياناً وفتيات يتسابقون ويتسابقن إلى الصلاة بمجرد سماع الأذان .. امتلأ المسجد بالمصلين ولم يعد فيه موضع قدم ، وسرعان ما رأيت الشباب يجمعون بعض أوراق الجرائد المتناثرة ، وبعض قطع (الكرتون) ويفرشونها أمامهم ، ومن خلفهم النساء اللواتي اتخذن ساتراً ونظمن صفوفهن .. وكان منظراً رائعاً أن ترى الصفوف وقد أحاطت بالمسجد كما تحيط أوراق الوردة بِلُبِّهَا .. ساعتها قلت في نفسي : ما أعظم هذا الدين وما أقواه .. أين الرويبضات ليروا هذه العظمة .
تكرر هذا المشهد كثيراً في أوقات الصلاة حتى أن بعض الأمسيات الشعرية كانت تضطر للتوقف لحين أداء الصلاة .. وهذا ما لم نشهده من قبل .. ثم جاءت محاضرة الدكتور عايض لتثبت (لحاطبي الليل) أن زمام الأمور كلها قد عاد إلى الدين وأهله ، وأنهم مهما أرجفوا في المدينة وجعجعوا بأهلها فإن الله متم نوره ولو كره الكافرون .
المضحك والمخزي في آن واحد أن بعض صبيان الصحفيين قاموا باقتطاع صور الجماهير الغفيرة التي جاءت لسماع محاضرة الشيخ (عايض) وألصقوها في التغطيات الصحفية لندوات أخرى حتى يبدو أن الإقبال كان على المحاضرات الثقافية العامة .. حينها تذكرت علي سالم وهو يقول على شاشة إحدى الفضائيات : (نظرية مؤامرة إيه .. كفاية بأه ..إحنا ما فيش عندنا غير نظرية المؤامرة .. كفاية تخلف) .
ولم يكتف الصبيان بهذا التدليس المعتاد منهم حين تبور بضاعتهم وتكسد(وهي كاسدة من البداية) ، بل اشتد بهم الحسد والغيظ إلى درجة أن بعضهم خرج ليقول : إن معرض الكتاب هذا العام قد اكتسى صبغة وهابية .. ثم أخذ يحرض على القهر ، والكبت ، وتكميم الأفواه ، وتضييق الخناق ، وتجفيف المنابع . وهو الذي صدع رؤوسنا صباح مساء بالتغني بحرية الرأي ، والانطلاق في عوالم الإبداع الثرَّة .. وليس أسهل على هؤلاء من أن يدعوا إلى شيء ويفعلوا ضده ؛ فالكلام ليس عليه جمرك ، والحرية في مهاجمة الدين هي الحرية المطلوبة ، أما ترك المجال مفتوحاً أمام الجميع وإعطاء الناس حرية الاختيار فهذا أمر لا يفهمه هؤلاء ؛ لأنهم يعرفون جيداً أنهم لن يجدوا حينها قارئاً يقرأ غثاءهم أو سامعاً يسمع أباطيلهم . وأظن أن الجموع الغفيرة التي ازدحمت داخل القاعة وخارجها حتى كادت أن تُحطم أبوابها لولا تدخل الأمن كانت تقول لهؤلاء : موتوا بغيظكم .
التعليقات
أجمـــل صباح
أجمـــل صبـــــــــاح عبر الأثير يصلنـــــا من أرض الكنـــانة ...
صبـــاح الخير
صبـاح بعذوبة النيل وشفافيته لأخي علي فريد .. وأهل بلده الطيبيــن ..
دعوة الشيخ عايض القرني جاءت من الملحق الثقافي السعودي في القاهرة ، وإدارة المعرض ربما جاملت السفارة السعودية في تلك
المحاضرة ، فليطمئن الأستاذ على فريد وليثبت على سوء ظنه بوزارة الثقافة المصرية !
وهذه الظاهرة ليست خاصة بمصر ، بل هي عامة في جميع البلدان الإسلامية ، وأذكر أن الدكتور عبدالله الغذامي كتب مرة عن حضور
ندوات الحداثيين في النادي الأدبي في جدة ، وأنهم يعدون على أصابع اليدين ، حتى أنهم كانوا يحرجون مع بعض المحاضرين
فيضطرون إلى تجميع بعض الناس لمجرد التكثر بهم وأخذ الصور التذكارية !!
بل إن هذه الظاهرة قديمة جدا والشواهد عليها كثيرة جدا ، انتبه لها الإمام أحمد بن حنبل عندما قال : بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز ..
وانتبه لها الفرزدق في موسم الحج عندما رأى الناس لا يحفلون بالخليفة ولا يلقون له بالا ، فلما جاء الإمام زين العابدين رحمه الله انفض
الناس وأفسحوا له الطريق إلى الحجر الأسود ، وقال قصيدته المشهورة التي جاء في مطلعها :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهـــــــم هذا التقي النقي الطاهر العلم
كنت قبل سنتين في معرض الكتاب في القاهرة فرأيت سيارة ( عربية على قول إخواننا المصريين ) من سيارات وزارة السياحة تتجول
في ممرات المعرض وفيها مكبر صوت يصدح بصوت أم كلثوم ، توقف السائق في أحد المواقف ، و أخذ يقرأ بينه وبين نفسه من مصحف
كان معه .
لفت انتباهي هذا الموقف فاتجهت له مع شقيقي ، وسألته عن هذا التناقض ؟! فابتسم .. وعاد إلى مصحفه !
وبما أننا في السياق المصري فمن الطرائف المحكية أن أحد الأقباط أحضر مجموعة من العمال الصعايدة للعمل في بيته فكانوا يقولون
في أهازيجهم ( هيلا .. هيلا .. ما تصلي على النبي .. ما تصلي على النبي ) فغضب القبطي وهددهم بالطرد أو يغيروا أهازيجهم ، فكتب أحدهم على الحائط : صلى الله على
نبينا محمد ، وأخذوا يرددون : ( هيلا .. هيلا ..ما تبص عالحيط .. ما تبص عالحيط ) .
الشعوب العربية محبة للخير ، محبة لدينها وكتاب ربها ، نعم عندها معاصي ، وتشعر بالتقصير ، لكنها لا تقبل خيارا غير الخيار الإسلامي
، ولا ترضى بالبدائل العلمانية المصطنعة ، ولو ترك المجال للعلماء والدعاة لرأينا شيئا عجبا .. لكن حيل بينهم وبين الشعوب ، وأصبحت
محبة الناس لهم تهمة تستحق العقوبة !
مشكلة التيار العلماني أنهم منبت و منقطع الصلة عن جذور الأمة الإجتماعية ، فهو غريب بفكره وثقافته .. غريب بحضوره وتفاعله مع
جماهير الأمة .. ولولا احتكارهم لمنافذ الإعلام ومنافذ الفكر والثقافة لما ظهر لهم صوت ولم يعرف بهم أحد !!
*
*