"عندما أحرز هدفه الرائع أبى إلا أن يتبعه بفعل أكثر روعة .. لم يفكر في العواقب ، ولم يأبه بالمقدمات أو النتائج ، ولم يلق بالاً لعنيف ردود الأفعال.. رفع ردائه الخارجي ليبرز من تحته رداءٌ آخر كتب عليه باللغتين (العربية والإنجليزية) "تعاطفاً مع غزة.." SYMPATHIZE WITH GAZA"
كان يعلم أن الملايين تشاهده ، وأن عشرات الكاميرات ترصده ، وأن مئات الملايين من الأعين تلاحق خطاه .. بل وترصد حتى قسمات وجهه..
لكنه أبى إلا أن يوضح أن الرياضة ليست لهواً ولا متاعاً فقط لكنها رسالة تحمل في طياتها رسائل أخرى أهم وأعمق..
أبى إلا أن يعلن أنه لا انفصال لدينا بين قضايانا وبين حياتنا اليومية وأوقات الترفيه لدينا..
أبى إلا أن يؤكد أن هذه الأرجل التي تجري وتركل وتسدد بمهارة ، تحمل جسداً ينبض قلبه بقضايا الأمة.. وأن هذا الجسد نموذج لجسد الأمة الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ..
فليتذكر آلاف المشجعين والمتابعين والمستمتعين في غمرة سعادتهم وحماسهم أناساً على طرف آخر من الحياة ، يعانون آلام الحصار والظلم والظلمات.."في غزة"
أما عنها فما أن سمعت أنهم قد عبروا.. ويمكن الآن الوصول إليهم ، إلا وأسرعت إلى خزانة ملابسها تنتقي منها ما يصلح وما هو زائد عن الحاجة ؛ لتهديه لأخت لها مثلها في أعوامها العشرة من غزة ..
وأما عنه فقد أسرع إلى حصالته يفرغ محتوياتها ليرسل بها من بين من أرسلوا.. لعل هذه القروش القليلة تشتري رغيف خبز أو علبة دواء أو حتى إبرة محقن لجائع أو مسكين أو مريض هناك.."
قد ينظر الآباء لأبنائهم على أنهم صغارٌ لا يعون ولا يفهمون ولا يقدرون.. وأن علينا أن نجنبهم الهموم والأزمات والمشكلات الكبيرة ؛ فنعزلهم عن الاهتمام بقضايا أمتهم ، ونصرفهم عن متابعة تطورات الأحداث ، ونرمي بهم في عالمٍ آخر من اللعب واللهو .. حتى إذا كبروا وشبوا وساروا إلى أعتاب النضج ، اكتشفوا واكتشفنا خواء نفوسهم إلا من حب الذات ، والبحث عن المتاع الشخصي ، والإغراق في المصالح الدنيوية ، دون الاكتراث أو الاهتمام بأحوال أمتهم وشئون قضاياها..
نعم من حق الأبناء أن يستمتعوا بطفولتهم بكل ما فيها من لعبٍ ولهوٍ ومتعةٍ وبراءةٍ منطلقة..
من حق الأبناء ألا نثقل كاهلهم بأحزانٍ نعيشها ونجتر آلامها يوماً بعد يوم..
من حق الأبناء ألا يكتووا بنيران تخاذل البعض ونكوص البعض الآخر عن نصرة دينه وقضايا أمته..
ولكن علينا أن نبحث عن التوازن الذي يمد جسراً من التواصل والوعي بين الأبناء وبين مجريات الأحداث ؛ فلا تنغلق حياة الطفل على هذه الأخبار والأحداث فحسب .. ولا تخلو من مظاهر التعاطف والتواصل والاهتمام بشئون أبناء أمته .. حتى نرى منهم يوماً من أمثال هذا اللاعب وأمثال ذلك الطفل وتلك الطفلة .. حتى يبرق في قلوبنا أمل أن منهم وبأيديهم قد تختلف الصورة ويتباين المشهد ويتغير وجه التاريخ..
ولعلنا نحتاج في ذلك إلى عدة خطوات يتبعها المربي لينشأ جيلاً على وعي بقضايا أمته ، ومن بين المقترحات لذلك:
- أن نكون نموذجاً حياً للطفل في الاهتمام بقضايا وشئون أمته ؛ فلا نتصور أن الطفل سيفهم شيئا لم يترب عليه ، أو يدرك أمراً لم يعرف له أثراً في بيئته .. وعلى هذا لابد أن يكون الأب والأم (على الأقل) نموذجاً حياً للاهتمام بقضايا الأمة..
- أن نتدرج في نقل المعلومة إلى الطفل بحسب مدركاته ومرحلته العمرية وقدراته المعرفية..
- الاستعانة بالصور والملصقات والشعارات الموجهة المتصلة بهذه القضايا ، وحبذا لو وضعناها في مكان بارز في غرفة الطفل أو دفعناه هو لوضعها في المكان الذي يحب..
- الإجابة على أسئلته مهما بدت صعبة أو محرجة ، ولكن بلغة مبسطة وتعميق الفكرة قدر المستطاع بالصور والمجسمات إن أمكن..
- إشراكه في الأنشطة التطوعية ، ودفعه ليكون هو صاحب الفكرة والمبادرة فيها كالتبرع لأصحاب هذه القضايا ، أو التمسك بسلاح المقاطعة ، وحظر شراء البضائع الموجودة في قائمة المقاطعة ، ودفعه للتخلى عنها بنفسه واستبدالها بأخرى ليشعر بقيمة دوره وفعاليته كفرد..
- جلب القصص والحكايات الرمزية والألعاب ذات الصلة بهذه القضايا ، وشرحها بصورة ممتعة تشحذ همته وتعمق إدراكه..
- الاستعانة بالأناشيد الجادة التي تتصل بالقضية وتكون مناسبة لعمره..
- الاهتمام بالقصص الديني والتاريخي والذي يبرز قوة المؤمنين بإيمانهم ووحدتهم ، وضعف الأعداء بكفرهم وفرقتهم .. وإبراز النماذج التاريخية المميزة ليتمثلها الطفل في حياته وسيرته .. من أمثال: خالد بن الوليد..صلاح الدين الأيوبي.. سيف الدين قطز ..محمد الفاتح..إلخ
- متابعة البرامج والنشرات الإخبارية وإشراكه في المشاهدة ، مع شرح محتوياتها وتفاصيلها قدر المستطاع بلغة يفهمها ويدركها..
- تشجيعه أن تكون هذه القضايا محور اهتمامه خلال الدراسة ومن خلال الأنشطة الموازية .. كأن نشجعه أن يكتب موضوع الإنشاء عن هذه القضية أو تلك ، أو نساعده على عمل بحث عنها ، أو تكون هي موضوع لوحاته في حصص الرسم .. أو تكون أبرز موضوعاته في الإذاعة المدرسية والمسابقات الثقافية ، ونحاول قدر المستطاع مده بالمعلومات والإمكانات التي تساعده على إنجاز عمل جيد وعلى المستوى المطلوب..
- أن يخصص جزءاً من دعائه بعد كل صلاة لنصرة إخوانه وتفريج كربهم .. وحبذا لو كان دعاءً جماعياً في صلاة الجماعة للأسرة ككل..
- تخصيص يوم للأسرة في الأسبوع للصيام والدعاء لإخوانه أصحاب القضية..
ومن الأشياء التي يمكن أن يتجنبها المربي في هذا الشأن:
- ألا نحاول صرف انتباه الطفل أو إقصائه عند سماع النشرات الإخبارية أو متابعة البرامج ذات الصلة بهذه القضايا .. حتى لو سبب لنا إزعاجاً بلعبه أو حديثه أو أسئلته .. وليحاول المربي احتواءه وتوصيل المعلومة له بشكل مبسط ليشاركه الاهتمام والمتابعة..
- ألا يمل المربي إذا انصرف الطفل عن الاهتمام بهذه الأمور .. فلكل طفل قدراته وطاقاته .. ولكن المهم أن يكون من بين أهدافنا غرس هذه القيم وتلك المدركات في نفسه منذ الصغر حتى لا يشب على الميوعة والخواء النفسي واللامبالاة ، وكلما نوعنا في وسائل نقل المعلومة كلما تحسنت استجابة الطفل..
- ألا نشعره أن متابعة تلك القضايا أو الاهتمام بها أمر مفروض وواجب ثقيل ، بل إنه أمر محبب يجمع بين الأب والأم وأبنائهم في حديث شيق ومتواصل..
- أن نتجنب التوبيخ أو التقليل من قيمة أفعاله مهما بدت بسيطة ، فمن المهم أن يتعلم أن الفعل الكبير هو مجموعة أفعال بسيطة مجتمعة ، وأن الأمة هي عدد من الأفراد المجتمعين..
- أن نتجنب نقل الشعور بالإحباط أو اليأس مهما كانت الأحداث تشير إلى ذلك .. فمن المهم أن نوقظ لديه الشعور بالأمل في غدٍ أفضل..
- أن نتجنب تحقير الرموز أو تشويه الزعامات حتى مع اختلاف التوجهات ، حتى لا تنهار لدى الطفل المثل العليا وصور القيادات الفاعلة .. ولنركز معه على جوانب التعاطف مع أصحاب القضية وكيفية مساعدتهم ونصرتهم..
- أن نجنبه رؤية المشاهد المؤلمة حتى لا تترك أثراً مؤلماً في نفسه .. ولنراعي قدراته وطاقته ومرحلته العمرية في التحمل والاستيعاب..