كلام الأنبياء .. كلام الفلاسفة

لم يكن المهم في الجامعة محاضراتها ( لأن كثيراً منها كان مكرراً ومعاداً) .. ولا مكتبتها ( لأنها حوت عدداً من الكتب المتميزة .. في غير تخصصي .. أما التخصص فقد كانت غالب الكتب أقدم مما تحتاج إليه ) .. ولا أساتذتها ( لأنه باسثناء اثنين أو ثلاثة كان البقية " مذيعين " يقرأون ما في الكتاب .. قراءة لا يستقيم معها النحو والصرف !!) .
الذي منح الجامعة في النفس مقاماً لم يرتق إليه غيرها .. كان .. الرابطة الأدبية.
شباب حائرون يبحثون عن منافذ لقدراتهم المتوثبة .. لم يجدوا من الأساتذة من يمنحهم الوجهة .. فالتفوا حول بعضهم يتلمسون الدرب سوياً ..
كانوا بذورَ شعراء .. أو قصاصين .. أو نقادٍ .. أو مفكرين .. أو .. أو باحثين عن عمق الحياة دون أن يحددوا لهم عنواناً!!
في جلسةٍ للرابطةِ الأدبيةِ كنتُ أعرضُ نظرياتٍ حديثةً في الفلسفةِ والنقدِ الأدبي .. سردتُ عدداً من الأسماءِ الأجنبيةِ ، والمصطلحاتِ المعقدة (كنت أدَّعي فهمَ كثيرٍ منها.. ولكن القليل الذي لم أكن أعرفُه بعمقٍ كان هو الأهم !!) .
لم أكن من هواة " التعالم " ، ولكن .. من ذا الذي لا يعجبه أن يعرفَ ما يجهلُه الآخرون .. وكلما زادَ مَن حَولَه تعجباً من جهلِهم .. زادَ إعجابُه بمعرفتِه الزائفة.
استوقفتني طالبةٌ لم تَكُن ذاتَ مشاركةٍ ثقافيةٍ واضحةٍ : لم تكن شاعرةً .. ولا قاصةً .. ولا ناقدةً .. كانت تأتي أحياناً؛ فتستمعُ .. ثم تسألُ .. ثم تمضي دونَ أن تترك وراءَها غباراً !!

  • أستاذ محمد !! أريد أن أسألك سؤالاً .
  • تفضلي.
  • الأنبياء أعظم .. أم الفلاسفة ؟!!

كان السؤال مباغتاً .. ولا تملكُ فيه غيرَ إجابةٍ واحدةٍ :

  • الأنبياء .. بالطبع !!
  • إذن .. فلماذا نَفهمُ كلامَ الأنبياءِ .. ولا نَفهمُ كلامَ الفلاسفة ؟!!
***********

كان يمكن لهذا الموقفِ وحدَه أن يردَّني إلى المعيارِ الصحيح : أن الفكرة لا تُقَاسُ بمقدار غموضِها .. وإنما بوضوحِ صِحَّتِها. وأن الفيلسوف الذي يُخفِي بمغالطاتِ الألفاظ فَقرَ براهِينْه ، ليس فيلسوفاً بحقٍ .. وإنما هو "لاعبُ سيركٍ أخطأ وجهتَه" !! .
ولكن ضجيح الحياة الثقافية، وكثرةَ الأسئلة ، وقلَّةَ المرشدين ؛ جعلت كُتُبَ " المفكرين والنقاد " خبزي اليومي .. رغم أنَّ طعمَ الخبزِ كان مُراً !!
حين يقرأ الباحثُ المبتدئُ لاسم مرموق.. لا يظنُّ أنَّ " لشُيوعِ اسمِه " سبباً آخر غيرَ قدرتِه العقليةِ المتميزة ... ولكنك بعد أن تلتقيَ بأسماء لامعةٍ ، قرأتَ لها أحكاماً معرفيةً قاطعةً ، في تخصصٍ ما ، ثم فاجأكَ أن معرفتهم الحقيقية بهذا التخصص محدودة جداً .. يعود إليك من جديدٍ شعورُ الطفلِ بأن أحداً قد اعتدى عليه وغرَّرَ به .
كانت الأسئلة متداخلةً في العقل: الأصالة والمعاصرة، القديم والحديث، الدين والعلمانية، منهج العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، الديمقراطية والشورى، إصلاح المجتمع بالليبرالية أم بالحركات الإسلامية .. وكان الضجيح أعلى من أن تسمع معه الصوت الحقيقي الهادي داخل نفسك.

***********

مسار البشرية كلُّه دائرٌ بين طريقين : طريق الأنبياء .. وطريق الفلاسفة.
الأنبياء يُجهِدُونَ أنفسهم في البحث عن الحقيقة بكل ما مُنِحُوا من قدرةٍ فائقةٍ ؛ يستعرضون معارفَ عصرِهم ، فيصلون إلى أن كثيراً مما عليه الناس ضلالٌ ، ولكنهم لم يجدوا بعدُ منفذاً إلى النور .. وحينَها يأتي وحيُ الله ليمنحهم معرفةً بِكراً ، نزلت لتوِّها من عندِ خالقِها .. لتضيءَ لهم الطريق.
الفلاسفة يبحثون عما يبحث عنه الأنبياء .. ولكنهم لا يعرفون حدود معرفتهم ، ويظنون أن الإنسانَ المحدودَ قادرٌ على أن يُدرِكَ الغايات والأسبابَ غيرَ المحدودة .. وهو يظن أنه قادرٌ على أن يفسر الحياة من مبدأها إلى منتهاها .. رغم أنه لم يَشهَد البَدءَ .. ولن يُدرِكَ المُنتَهى.. ولكنه الطفلُ الغريرُ حين يظنُّ بحديثِه عن العالمِ .. أنه قد امتلكَ العالمَ !!

طريق النبوة : هو الإنسان حين يتواضعُ لخالقِه ، ثم يستثمرُ كلَّ ما مَنَحَه من طاقةٍ تحت قانون " اقرأ .. باسم ربك" .
وطريق الفلسفة : هو الإنسان حين يتعملق فيظن أنه إن لم ير السماء فلا وجود للسماء .. وإن لم يلمس الماء فلا مكان على الأرضِ للماء .. وإن لم يُبصِر إلهَهُ فمن أين لَهُ أن يؤمنَ به ؟!!
والحياة الغربية المعاصرة ممزقةٌ بين دينٍ انقطعَ حبلُها به .. وفلسفةٍ قلَّت ثقتها فيها .. وعلمٍ يظن أنه بقدرته على إدراك التفاصيل قادرٌ على أن يستقصي الغايات .. والإنسان بين هؤلاء لا ينتهي من حيرةٍ حتى يدخل في ضلال.
أما أبناءُ ميراثِ الأنبياءِ .. فهم يبحثون في فُتَاتِ الإنسان الغربيِّ الحائرِ .. عن لُقمَةٍ سائغةٍ !!