حرية الفكر .. من يُكَفِّر مَن ؟!

طرحت الأستاذة فاطمة التميمي في المنتدى موضوعاً مهماً ، أثار كثيراً من المشاركات الخلاقة. وحفاظاًعلى تميزها آثرت إدارة الموقع أن تنشره فيه .

مقالة أ. فاطمة .
القراءة الجادة هي بذرة النجاح ، وهي الطريق لاكتساب المعارف والخبرات ، لكن القراءة تعيش أزمة خانقة في عالمنا العربي ، ففي بعض إحصاءات عام 2006 أن معدل القراءة خارج نطاق المقررات الدراسية عند العرب لا تتجاوز ثلث كتاب في العام الواحد ، وترتفع النسبة لتصل إلى ثلاثة كتب في العام عند المثقفين.
وكثير ممن يريد أن يقرأ لا يدري ماذا يقرأ ولا كيف يقرأ ، وانعكس ذلك على طريقتنا في التفكير ، وعلى واقعنا التقني ، وعلى خطابنا الفكري والثقافي !
مثل هذه الأزمة مشكلة وطنية وقومية خطيرة جدا تستدعي استنفارا شاملا من أعلى المستويات لاستنقاذ الثقافة والوعي ، لكن المحزن أن رواد التعليم والثقافة لا يفعلون شيئا يذكر في هذا الميدان ، أما الإعلام - الفضائي خصوصا - فهو يفسد الذوق و يقتل البقية الباقية من حب العلم !
أتألم كثيرا عندما أرى فتاة تتخرج من الجامعة ومع ذلك لا تحسن قراءة القرآن الكريم !
أتألم كثيرا عندما أسمع أن بعض خريجي الثانوية لا يستطيعون قراءة صفحة واحدة من كتاب دون أخطاء !
أتألم كثيرا عندما أعلم أن الأمية في العالم العربي تصل إلى سبعين في المئة عند النساء .
أمور مخجلة جدا ... لو كنا نعي لاعتبرنا أن بلادنا في حالة طوارىء تحتاج إلى إغاثة عاجلة !
لست مبالغة ، فنظرة عابرة للبيئة الاجتماعية من حولنا كفيلة بكشف الحقيقة المرة !
جاءتني هذه الخاطرة بعد مبيعات قصة ( هاري بوتر ) في الشهر الماضي ، حيث بلغت مبيعات القصة في يوم واحد أحد عشر مليون نسخة في ثلاث دول غربية ، رقم مذهل حقا !! وبغض النظر عن الخرافة التي تحملها القصة ، إلا أن العبرة بكثرة القراء عندهم .
دعوني أكن واقعية وأختزل الموضوع في المحيط القريب من كل واحد منا ، فهل هذا الموضوع يستحق أن ندير حوله نقاشا في هذا المنتدى لنبذر معا شيئا من بذور النجاح ؟!


ثم تتابعت الردود ، وكان من بينها :

رد أ. متفائل رغم الصعاب :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ----- تحية طيبة للجميع
كثير من الشباب العربي ( وأنا منهم بالطبع ) ينظرون للثقافة على أنها ضيف ثقيل الظل وغير محتمل ومطاق ولذا فإنهم يتجنبون الغوص في أعماق الكتب وبالأخص الكتب الفكرية التي تستفز العقل وترهق الفكر وتدعو الإنسان للتأمل وإعادة التفكير في كثير من القضايا ، وفي نفس الوقت هناك تهافت على مصادر الثقافة السطحية : المجلات والجرائد والأفلام وحتى بعض الروايات السخيفة .

وموضوعك يا أخت موضوع شائك ومن الصعوبة مناقشته بدون الأخذ بالاعتبار الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإنسان العربي ، فكلها عوامل تتضافر مع بعضها ، فبداية من ارتفاع أسعار الكتب وخصوصاً الكتب العلمية ، ومروراً بمنع الكتب وخاصة تلك الكتب التي تنتقد التراث والحكم ، وصولاً إلى تعمد تغييب الثقافة وإغراق الإنسان العربي في وحول الجهل حتى يستقر المقام وكرسي الحكم للمستبد !! ولا أنسى بالطبع الفتاوى التكفيرية التي تصدر بحق بعض الكتاب والمؤلفين وأبعادها الخطيرة في الاغتيال المعنوي للثقافة والفكر ، وماتنتجه بشكل مباشر أو غير مباشر في الاغتيال الجسدي ( اغتيال د.فرج فودة بسبب كتاب الحقيقة الغائبة مثلاً ! ) ، فلا توجد ضمانات أمنية وفكرية فعندها كيف يمكن الحديث عن القراءة والعلم ؟
شكراً لك على الموضوع وقد تكون لي عودة مستقبلاً

 

رد أ. فاطمة التميمي :

الأخ متفائل رغم الصعاب:
ألا ترى أن الفتاوى التكفيرية التي أشرت إليها مقحمة بتكلف في هذا السياق ؟!
ثم هل فرج فوده وأمثاله يمثلون الثقافة الأصلية ؟!!
لقد كانت رسالته الفكرية باختصار شديد هي التمرد على التراث ، بل التمرد على الدين وأصوله ، ومحاولة استنساخ الفكر الغربي بكل مكوناته المادية في مجتمعنا !
النقد العلمي و الموضوعي للتراث لا إشكال فيه ، لكن الانقلاب على الأمة والحرب على دينها ومسلماتها العقدية لا يمكن القبول به لأي سبب من الأسباب ... فرج فودة مثال صارخ على التطرف العلماني العدائي ، وليس هذا المقام مقام تفصيل .

 

رد أ. متفائل رغم الصعاب:

الأخت الكريمة :
هل تتفقين معي بأن الفتاوى التكفيرية التي تصدر بحق بعض الكتاب والمؤلفين وتبعاتها المعنوية والجسدية لا تخدم القراءة والثقافة والمثقف ؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال كفيل بأن يحدد مسار النقاش . ومهما كان الاختلاف مع آراء فودة المتعصبة وغيره ، هل يبيح ذلك اغتياله واستباحة كيانه ؟
وإقحام ( في تعبيرك ) جانب الفتاوى التكفيرية ودورها تراجع مستويات القراءة والثقافة ، لا يعني التكلف إذا ما علمنا أن رابطة الدين هي الرابطة الوحيدة التي تذوّب جميع الحدود الجغرافية التي رسمها المستعمر بعد أن عجزت روابط القومية والروابط الاقليمية في ضم العرب والمسلمين تحت راية واحدة ، عندها تبقى الرابطة الدينية أقوى الروابط وأكثرها تأثيراً وأعمقها نفوذاً . بل إن حتى المحسوبين على التقدم والحداثة والتغريب ممن يدعي فك الارتباط مع الدين أو الخطابات الدينية ، يبقى أثر الدين في لاوعيهم حتى لو أنكروا ذلك ، وعندما سئل قاسم أمين لماذا لا تسمح لابنتك بخلع الحجاب أجاب بأنه تقدمي في عقله الظاهر ، ومسلم في عقله الباطن أو كما قال .... في هذه الحالة أي أثر سيكون للفتوى التكفيرية إذا صدرت بحق الكتاب أو المؤلفين ؟ خصوصاً من مؤسسة دينية رسمية ؟ وإلى أي عمق ستتغلغل هذه الفتوى ؟ وإلى أي مدى ستمتد تبعاتها على الفكر والثقافة والمثقف في عالم عربي يسوده الجهل والتلقي الأحادي البعد للمعلومات(الفتاوى!!) ؟

- وصدور هذه الفتوى يعني أنه تمت القراءة والتحليل للفكر المخالف ، ومن ثم تم الاستنتاج والاستنباط ، فلماذا أقرأ ؟ وماهو الدافع ؟ وما قيمة القراءة مادام هناك من يقوم بالمهمة عوضاً عني ويفكر (ويكفر) ويستنتج بدلاً مني ؟! إن في هذا اغتيال للتفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد ، وصولاً إلى امتهان عقل الإنسان وقدرته على الفهم والاستنتاج والاعتداد برأيه وبناء الكيان والاستقلال الذاتي والفكري !

- من يُصدر هذه الفتاوى لا يكتفي ( في الغالب ) بأن ينسب الحق " المطلق " إلى ذاته وينسب إليها كل الفضائل ، بل يتعداه إلى إنكار واستبعاد آراء الآخرين ( المخالفين ) وإنكارها ومهاجمتها ( اغتيالها !! ) .. أليس هذا هو ترسيخ لمفهوم التعصب : اعتقاد باطل بأن يحتكر المرء لنفسه الحقيقة أو الفضيلة ، وبأن غيره يفتقرون إليها ، ومن ثم فهم دائماً مخطئون أو خاطئون ، والتعصب هو الغلو في الدين والرأي إلى حد التحامل على من خالفهما بشيء فيما يدين وما يرى ( يمكن الرجوع إلى كتاب أضواء على التعصب ) ، وتكمن خطورة التعصب في توحيد رأي الفرد مع الجماعة ، وبالتالي فإن المتعصب يمحو شخصيته وفرديته ويذيب عقله و وجدانه ويجعل من شخصيته ملكية قابلة للتصرف فيها !! ، وتصبح العلاقة بينه وبين هرم السلطة : علاقة امتثال وخضوع وتنفيذ لا علاقة تبادل وحوار وتأثير --- في هذه الحالة كيف لنا أن نبني صروحاً وحضارة ونحن نتعصب لهذه الفتوى ، ونُعفي أنفسنا من التفكير ( مادام هناك من يفكر بدلاً منا ) الذي يأتي كنتيجة حتمية للقراءة والثقافة ؟ أليس في هذا قمة الاستلاب والهدر الفكري ( كما يعبر مصطفى حجازي ) ؟

- تشير بعض الأبحاث الطبية إلى أن خلايا المخ العصبية لا يمكن أن تنقسم وتتكاثر في الظروف الطبيعية للإنسان ، ولكن الروابط العصبية بين هذه الخلايا يمكن لها التكاثر والانقسام تحت عوامل عديدة : التفكير والقراءة وحل الألغاز وأي نشاط يتطلب عصفاً ذهنياً وبالتالي فإن قدرة الإنسان على التفكير والاستنتاج والتحليل ستزداد ، ويُقال أن مخ آينشتاين أثقل وزناً من المخ الطبيعي ، وإن صدقت هذه الرواية فأعزو السبب إلى ازدياد الروابط العصبية بين الخلايا ....... وأود التساؤل : كم خلية عصبية ستضمر عندما تأتي هذه الفتاوى على شكل قوالب جاهزة وجامدة وتصب في عقولنا بدون تفكير ؟ ألن نصاب عندها بتصخّر ذهني ذهني وموات معرفي كما يعبر الدكتور حجازي ؟

- هناك فرق بين الفتاوى التكفيرية : التي تعني القطيعة التامة مع المخالف والعجز عن جمع الأوجه الموجبة والسالبة له والتحيز التام ضده ، وبين الردود المنطقية عليه (الحجة بالحجة) فالأخيرة تدل على الرقي والسمو وما تُفضي إليه من خلق مساحة مشتركة بين المتخالفين وبالتالي التعايش بهدوء رغم الاختلاف . هناك فرق بين ردود الرافعي على طه حسين - حتى وإن كانت شديدة اللهجة أحياناً - ، والفتوى التكفيرية بحق أحد مفكري مصر التي تقضي بفصله عن زوجته !!!

- ما ذكرته سلفاً لا ينطبق على الفتاوى التكفيرية بحق المؤلفين وأعمالهم ، وإنما على كل من يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة - بما فيهم كاتب هذه السطور - ، ويَجعل أو تُجعل آرائه مقدس بل ربما فوق المقدس ، وما تفضي إليه هذه النظرة الإقصائية الأحادية الجانب من فوضى فكرية وامتهان للإنسان بوصفه حر الإرادة والتفكير والاختيار ، وصولاً إلى استباحة الكيان الإنساني واغتياله معنوياً وجسدياً . والمنطق الحديث يرى الحقيقة نسبية متغيرة قابلة للنقد والاعتراض ، على عكس المنطق العتيق الذي يرى أن الحقيقة ثابتة ومطلقة أو أصلية كما تعبرين .
- إن الله خلق لنا عينين كي نرى ألوان متباينة ومختلفة ومتغايرة .
تمنياتي لمشروعك بالتوفيق ،،، شكراً لك ولروحك الطيبة .

التعليقات

رد أ. محمد فريد

رد أ. محمد فريد :

أخي الكريم /
قرأت لك مشاركتين أشعرتاني بأنك عقلٌ يبحث عن معرفة ، ونفسٌ تسعى إلى الفعالية والارتقاء .. وأسأل الله تعالى أن يحقق رجاءَك فيما يرضيه .
واسمح لي بأن أذكر بعض الرأي في بعض ما طرحت .. شكر الله لك وأكرمك.
العقل الإنساني تصنيفي بطبيعة تكوينه ، فهذا اللون أحمر ، وذاك أسود وهذا أزرق ، ولن يغضب مني اللون الأسود إذا قلت إنه أسود باعتبار ذلك مسبةً له .. ولن يتظاهر اللون الأزرق بأنه أبيض .. حتى يمحو من نفسي انطباعاً سيئاً عنه.
وتسمية الأشياء بأسمائها هو منحة إلهية فضَّلَ الله بها أبانا آدم عليه السلام على ملائكته حين عَلَّمه الأسماء كلها ، ثم أسجَدَهم له.
وقضية التكفير داخلةٌ في هذا الإطار .. ولكن الصحافة وساحات الثقافة التي يكثر فيها الكلام حتى نظنَّ أنه حقٌ بمجرد كثرة مردديه ، أضافت إلى المسألة أجزاء ليست منها ... ولذا ؛ فنحن في حاجة إلى أن نُصَفِّيَها في ذهننا من الشوائب حتى ننظر إليها بوضوح .
ماذا تعني كلمة " كفر " و " إسلام " ؟
تعني أن هناك دائرة واسعة هي الإسلام .. تحيط بها دائرة واسعة هي الكفر .. ولك أن تسرح وتمرح في دائرة الإسلام كما تريد .. ولكن .. هناك حدوداً ينبغي أن لا تَعدُوَها ، وإلا خرجتَ إلى دائرة أخرى .. لا يمكن لأحد أن يسميها إسلاماً .. لأنها - بالفعل - لا يمكن أن تكون إسلاماً .
في دائرة الإسلام هذه هناك غرفٌ مختلفةٌ .. بعضها غرف جميلة بديعة هي أعمال الإسلام القلبية والسلوكية كالتوبة والإنابة والتوكل واليقين وإفشاء السلام وإماطة الأذى عن الطريق .. الخ . وهناك أقبية مظلمة مخيفة كالكذب وشهادة الزور ، والسرقة ، والزنا .. ولكن هذه الغرف كلها .. حسنها ورديئها .. تتسع لها دائرة الإسلام .. فلا يمكنني أن أخرج أحداً من الدائرة لأنه سرق ، أو زنى .. لأن من حدد هذه الدائرة - سبحانه وتعالى - لم يجعل لي سلطة أن أُخرِجَ من أريد إلا ببرهانٍ منه .. وقد حدَّدَ ضوابط مشدَّدةً تجعل هذا البرهان شديدَ الوضوح ، غيرَ قابلٍ للتأويل المزيِّف ، ولا للتخرص المفتئِت.
وجَعَلَ حدود الإسلام أشد وضوحاً من حدود المملكة العربية السعودية الغربية .. إذ يمكن أن تلتبس حدودُها الشمالية بالأردن ، وحدودُها الجنوبية باليمن .. ولكن حدودها الغربية بحر واسع يتميز عن اليابسة فلا يمكن أن تدخل فيه مصر!!
من هذه الحدود الواضحة : إنكار وجود الله جل وعلا ، أو إنكار النبوة أو الوحي أو اليوم الآخر .. فإذا جاءني من يزعم أن القرآن الكريم كتاب تاريخي ، ناسَبَ مرحلةً معينة من تطور قريش ، وأن محمداً ( صلوات ربي وسلامه عليه ) كان يَحُلُّ بما ينشئ من آياتٍ قرآنيةٍ مشكلاتٍ معاصرةً له ، وأن عصرَنا يختلف عن عصره ، فهو في حاجة إلى "إنشاء جديد" .. وإذا كان رب الإسلام - جل وعلا - قد أخبر أن من قال هذا فهو خارج عن دائرة الإسلام .. فمن أين لي أن أدخل أحداً إلى الدائرة .. وصاحب الدائرة العزيز الحكيم يخرجه عنها ؟
حين خرجت الماركسية إلى الوجود كانت تسعى إلى التمايز عن مذاهب الرأسمالية الغربية ، ولهذا ابتدعت فروقات بين : التقدم والتخلف ، والبرجوازية والبروليتاريا ، والمادية والمثالية .. ولا يمكنني أن أزعم أبداً أن إنساناً يمكن أن يكون رأسمالياً وماركسياً في لحظة واحدة .. وإلا كنت أفتئت على الحقيقة .. وأُعَرِّض نفسي لسخرية كلا الطرفين .
كل الأفكار البشرية تحدد نفسها في إطارٍ تسمح لمن التزم بمبادئه أن ينتمي إليه ، وتمنع من خالفَه مخالفةً جوهرية من أن ينضوي تحته .. فلماذا نستكثر على دين الله أن يكون كذلك ؟!!
لا يمكن أن نجعل من الإسلام اسفنجة تمتص كل رأي .. ثم تظل اسفنجة ..
ولا مظلةً تتسع ما اتَّسَع للعقل هلوستُه أو هذيانُه ..
الإسلام إطار محدد .. وضع الله تعالى له ضوابطَه الهاديَة ، ولم يمت نبيه عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن قال " لقد تركتكم على المحجة البيضاء ؛ ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك " .
وليس مهماً عندي الآن أن أقول : فلان أخطأ في تكفير فلان .. لأنه يمكن لأي إنسان أن يخطئ فيدخل في الإسلام من لا ينتمي إليه ، أو يخرج منه أحد أبنائه ..
لا أتحدَّث الآن عن " أخطاء الأفراد " حين يتجاوزون الحد في التكفير أو " التمييع " .. ولكني أناقش أصل المبدأ :
هل يجوز للمسلم أن يُكفِّر غير المسلم " ؟!!
نعم .. بل هو من أصول تحديد أي مذهب .
لا يمكنني أن أذهب الآن لبابا الكاثوليكية .. وأزعم أنني مسيحي مخلص .. لأنني لا أومن بالخلاص من خلال المسيح ابن الله !!
ولا يسمح لي أحد من تيارات ما بعد الحداثة أن أومن بوجود إله عظيم للخلق كلهم .. لأنهم يؤمنون بخرافة " عدم وجود حقيقة مطلقة " .. وهي من أسوأ الخرافات أثراً !!
من قال إن " المنطق الحديث " يرى الحقيقة نسبية .. والعتيق يراها ثابتة ؟ !!
ومن هذا الذي أخذ توكيل " المنطق الحديث " حتى يتكلم باسمه ؟!!
إذا كانت معي سكين .. أُشهِرها على رأس أحد .. فهل يمكن لشخص أن " يتفلسف " زاعماً أنني أحمل في يدي " قلم باركر " !!
هناك حقائق حسية ثابتة .. وهناك حقائق علمية مطلقة .. وهناك حقائق عقَدية مطلقة .. ولا يمكن لدائرة الفلك أن تدور دون وجود هذه الحقائق .. ولكن الإنسان يزعم حين تعمى عينه عن الشيء .. أن الشيء ذاته غير موجود.. ( وما أشد طرافة ذلك - ومأساويته - حين تعمى العين عن قطار قادم .. فتزعم أنه غير موجود .. ثم يفاجئني وجوده حين أجد نفسي تحت عجلاته !!) .
...............
قضية النسبية المطلقة " صرعة ثقافية " لا أكثر .. ولو شئت أن أسرد لك تفصيل الأمر لطال الحديث .. ولكن مِلاكَ الأمر فيه : أن ثمة ثوابت ، وإن أنكرها البعض ، في بعض الوقت .. وثمة متغيرات نسبية وإن زعم البعض أنها مطلقة ، والخطأ الفاحش حين نجعل بعض المطلق نسبياً ، وبعض النسبي مطلقاً.
..................
أما فرج فوده .. أو نصر حامد أبو زيد.. أو .. أو .. فهم أقوام اختاروا لأنفسهم خياراً .. ومن أشد ما تمقته الطباع النبيلة أن يختار المرء سبيلاً .. ثم يتقاعس عن لوازمه فيداهن وينافق !!
ولو قرأت - ولعلك قرأته قديماً ثم نسيت بعض تفاصيله - ما كتبه الرافعي عن طه حسين في كتابه البديع " تحت راية القرآن " لرأيته يرد عليه دعوىً بحُجَّةٍ .. وتخرصاً ببرهان .. ثم يصل من ذلك إلى الطريق الواضح : أن ما قيلَ في كتاب الشعر الجاهلي كُفرٌ - حين قال " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة... ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من جهة أخرى " .. ورأى الرافعي أن الجامعةَ المصريةَ حين تسمح بتدريسه إنما تَغُشُّ أمتها ، وتنشيء أبناءها على غث تظنه سميناً ، وظنون كاذبة تدعوها علماً .. وأن الجامعة إن أرادات أن تخلص للعلم وثقافة الأمة فينبغي أن تزيل من ساحتها هذا النبت الخبيث !!
..................
أما نمو العقل في جو الحرية ، وضموره تحت حكم القهر السياسي أو الفكري .. فصحيح ..
ولكن .. هل من الحرية أن أسمح لأحد أن يقول : 4 + 4 = 1234 ثم أسميه بعد ذلك مجدداً في الرياضيات .. وأحجر على أساتذة الرياضيات أن يسموه جاهلاً .. أو مجنوناً ؟!!!
..................
أخي الكريم /
أرجو أن تعذرني إن كان في أسلوب الكتابة بعض التجاوز .. لأن الفكرة نفسها تجاوزت حدَّها انتشاراً وأثراً .. ووالله إني لأحب فيك بحثك عن الحق ، وسعيك إلى الهدى .. وأرجو أن يجعلك الله تعالى ممن ينصر به الحق حيث كان .. وأن يجمعني وإياك في محل رضوانه إخوانا ًعلى سرر متقابلين.
وللمشرفة القديرة فاطمة التميمي مزيد التقدير لأنها جمعتنا بموضوعها " إخوة متحاورين " .
بورك لك .

رد أ. علي فريد

رد أ. علي فريد :

سارت مشرقة وسرت مغرباً
شـتان بين مشرق ومُغَـرِّب

أظن أن المشروع الأساس الذي طرحته المشرفة الفاضلة الأخت فاطمة التميمي كان عن أسباب ضآلة الإقبال على القراءة في العالم العربي ، ولا أدري كيف اتسع النقاش الهادئ ليدخل مناطق لا أظن أنها تمثل حجر الزاوية في المشروع ...
ذكرني ذلك بما جاء في (مطالع البدور) حين سأل بعض الأكابر إنسانا: هل تعرف اللعب بالشطرنج ?، فقال: لا والله يا مولانا، ولكن لي أخ اسمه عز الدولة، وهو أخي لأمي، أكبر مني بسنتين، أو أكثر بشيء يسير، وكان قد حصل بيني وبينه خصومة غاظته، فسافر من مدة عشرة أعوام، وسكن مدينة قوص، وبلغني أنه فتح دكان عطارة، وإلى الآن ما ورد على المملوك منه كتاب، وهو أيضاً مثلي ما يعرف يلعب بالشطرنج.
ألا ترون معي أننا في عالمنا العربي ربما نتعمد الدخول في الأزقة والحواري الضيقة ونتجاهل الطريق المستقيم الذي نستطيع الوصول منه إلى ما نريد ... ولا أظن أننا قد ورثنا ذلك من الجاحظ الذي كان كالحاوي أو الساحر الذي يمسك في يده عشرين كرة يلعب بها ؛ فتسقط عين المشاهد ولا تسقط كرة واحدة من يده .. بل أظن والله أعلم أننا لم نعد نعرف ما نريد ؛ فربما سيطرت فكرة ما علينا فجعلناها سبباً لكل مُسَبَّبْ غير ناظرين إلى غيرها حتى لو كانت أصح منها .
لو اتسع صدر الأخ الفاضل لي لقلت له :
زمن المحنة لا يصح فيه إطلاق الأحكام على عواهنها دون التثبت والرجوع إلى أساس يتفق في الرجوع إليه الجميع ، وهو أحوج الأزمنة إلى التأصيل وإرساء القواعد الواضحة التي لا تحتمل اللبس ، ورغم صعوبة ذلك إلا أنه لا بد منه للخروج من أزماتنا المتعددة في الفكر والثقافة والسياسة حتى لا نصبح كما قال القائل :
وتفرقوا شيعاً فكل محلة
فيها أمير المؤمنين ومنبر
ونحن اليوم في زمن محنة .. كل شئ مختلط ومتشابه وملتبس ، لم يعد الناس يصيبون الحق في وجه من الوجوه ؛ فقد تسلط علينا فكريا وثقافيا وسياسيا من كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافهم على أمته حين قال : (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان) ، ونجح هؤلاء في جعل الألوان رمادية في عيوننا حين أخذوا في بداية أمرهم ضغثاً من الخير وضغثاً من الشر ثم خلطوه ليستنسخوا لنا شراً خَيِّرَاً أو خيراً شِريراً لنقع بعد ذلك في الشر المحض :
يُقضى على المرء في أيام محنته
حتى يَرى حَسَناً ما ليس بالحَسَنِ
وقد سُئل الشاعر الوزير غازي القصيبي عن بيت الوليد بن يزيد :
وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت
ورداً وعضت على العناب بالبرد
فقال : هذا أشبه (بطبق سلطة)
نحن اليوم يا أخي نعيش في (طبق سلطة) كل شيئ مختلط وملتبس ومتشابه ... المدفعية الإعلامية الجبارة تدكنا صباح مساء بالمتناقضات حتى اشتبهت السبل على الخيرين منا فكيف بأصحاب الأهواء ... تكفيري ، إرهابي ، متطرف ، رجعي ، متخلف ، متزمت ، وهابي .. والبقية تأتي .. ونحن كما قال المثل العامي ( مع الخيل يا شقرا) نردد كل ما نسمع ونصدق كل ما يقال .. ما نؤمن به اليوم نكفر به غداً ، وما نكفر به غداً نؤمن به بعد غد ، حتى أصبح الحليم فينا حيرانا .
لو صح وجود أصحاب الفتاوى التكفيرية كما تقول لتمنيت أنهم أخذوا زمام الأمور في حياتنا الثقافية لأنهم ـ وببساطة شديدة ـ يمتلكون مرجعية ثابتة يرجعون إليها .. فإذا ذكرتهم بها في نقاشك لهم وأيدت كلامك بالحجة والبرهان والدليل توقفوا عندها ورجعوا إلى الحق ، فهم أعرف الناس بقوله تعالى ( لست عليهم بمسيطر) وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه ( هلا شققت عن قلبه ) وقول مالك بن أنس رحمه الله : ( كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر) وقول الشافعي رحمه الله : ( رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ) كل هذا وغيره كثير يعرفه هؤلاء ويتفقون عليه ويتوقفون عنده إذا ذُكِّروا به ... أما غيرهم من الذين يحجون إلى السفارات الأجنبية والذين يسيطرون الآن على مقدراتنا الثقافية فليس لهم مرجع ثابت سوى الأهواء الشخصية والمصالح الذاتية المكيافيلية وقول ستالين : (أستطيع أن أبيد ثلاثة أرباع العالم ليعيش الربع الأخير في الفردوس الشيوعي ) وقول بوش من ليس معنا فهو ضدنا) فهذه هي الديمقراطية وتلك هي الشيوعية ، وهما أساس الثقافات في الغرب في القرن العشرين ... ولو ذهبت أستعرض لك مقولات أساطين مفكريهم ومثقفيهم وأعمالهم العنصرية لما اتسع المجال لذلك ، ولكن انظر إلى واقع دولهم كيف قامت وإلى المذابح الهائلة التي حدثت بينهم في حروبهم العالمية وما قبلها لتعرف أنهم همج هامج كما سماهم شيخ العربية محمود شاكر ، وإن غلفوا هذه الهمجية بمظاهر زائفة سرعان ما تسقط إن أراد غيرهم أن يستقل بفكره وتقاليده وحضارته ومبادئه .. ألم يسقطوا انتخابات الجزائر مرتين حين فاز بها الإسلاميون .. ألم يحاصروا غزة حين انتخب الشعب الفلسطيني حماس .. هل يريدون ديمقراطية على هواهم تأتي بأتباعهم وأذيالهم ممن خان ربه ودينه وشعبه ونفسه .. ألم يحكموا بالسجن على روجيه جارودي المفكر الفرنسي الحر حين شكك فقط في محارق النازية لليهود ، ألم يمنعوا قناة الزوراء التي كانت تنقل بعض الحقيقة في العراق... ومنذ يومين ضغطوا ليمنعوا قناة الأمة التي تصدت لقناة الحياة النصرانية وفندت الأكاذيب والتلافيق التي كانت تذاع فيها ونجحوا في إغلاقها ... هل أعدد لك أكثر قديماً وحديثاً ... لا فليس عليك سوى أن تنظر حولك لتكتشف من هم أرباب الإرهاب والتخلف والرجعية .
فهؤلاء يا أخي هم قدوة المثقفين عندنا الذين سميت أنت بعضهم بالمفكرين ... ولا أدري كيف يصبح أمثال فرج فودة ونصر حامد أبو زيد من أهل الفكر والثقافة ... ولقد قرأت كتب ( أبو زيد) التي قامت الضجة عليها ثم أعدت قراءتها ثم راجعتها ثم أعطيتها لبعض أساتذتي ليقرأها فإذا كل ما فيها ليس سوى اللا فكر الناتج عن اللاوعي كما سماها الأستاذ (عبد الصبور شاهين ) ، وإذا الأسطر القليلة المفهومة فيها تخرج من الملة ... ثم هل منع شيوخ الأزهر كتب أبو زيد أو فرقوا بينه وبين زوجته ؟! .. وهل يملك الأزهر هذه السلطة ؟؟ كلا ويا ليته يملك ذلك .. ولكن الذي منع وفرق القضاء المدني المتحرر من القيود الدينية ( إن كنت تريد تسميتها قيوداً) لأنه رأى أن كتب أبو زيد ليست سوى كفر محض وخروج عن الشريعة فحكموا بالتفريق ثم سويت القضية بعد أن هجم (حجاج السفارات) من الكتبة المرتزقة على القضاء المصري في الجرائد والمجلات والتلفاز ، ولم يسلم الأزهر وشيوخه من الهجوم .
يا أخي الفاضل : ليس هناك تكفير ولا يحزنون .. بل هناك إرهاب فكري يمارسه ثلة متغربة لا تتعدى ال 3% من الشعب العربي على البقية .. يريدون منا أن نقول (آمين) فقط ، فإذا قلنا (ولكن...) رفعوا لافتات الإرهاب والتخلف والرجعية والوهابية .
وهؤلاء فكرهم مستورد غريب لم يعتمد على التراث الأصيل لهذه الأمة التي تحترم الاختلاف في الرأي ويقول كتابها للمخالفين لكم دينكم ولي دين) .. ولم تحل علينا المصائب والمآسي إلا حين استورد بعضنا قديماً وحديثاً فكراً أجنبياً ضيق العطن مغلقاً لا يقبل الرأي ولا يحتمل النقاش ، والغريب أن أكبر محنة في تاريخنا الفكري كانت محنة خلق القرآن التي تولى كبرها المعتزلة حين سيطروا على الحكم من خلال المأمون العباسي سامحه الله ولم تكن ثقافة هؤلاء ومعهم المأمون عربية خالصة بل جمعوا ثقافات الأمم وترجموها وآمنوا بها فاختلطت مصادر ثقافتهم العربية بمصادر الأمم الأخرى فتعلموا منها الطغيان والجبروت ، حتى خيروا الناس بين الموت وبين القول بخلق القرآن ... وامتحن المأمون الناس وزج بعلماء الإسلام إلى السجون وجاء بعده المعتصم الذي أمر بجلد الإمام الجليل أحمد بن حنبل وتركه يجلد وذهب ليفتح عمورية فأخذ الإمام يدعو له بالنصر والسياط تلهب جسده .. واشتد الطغيان بأحمد بن أبي دؤاد الوزير المعتزلي حتى أرسل إلى أسرى المسلمين في بلاد الروم يمتحنهم فمن قال بخلق القرآن فداه وأعاده إلى أهله ومن رفض تركه في أسره .. وقُتل من علماء الإسلام في هذه الفتنة خلق كثير .
قال أحد الظرفاء في بعض المنتديات : إذا أردت أن تصبح علمانياً مثقفاً فليس عليك سوى أن تتبع النصائح التالية :
- أن تحفظ بعض المفردات والتراكيب وترددها كالببغاء كلما سنحت لك الفرصة ولا تجزع لأنك لا تعلم معناها , فالذين يسمعونك هم أيضاً لا يعرفون معناها!!!
ـ أن تنتهز أي فرصة لتعلن استهجانك للدين ولا بأس بالتهجم على الأنبياء و الرسل و على الكتب السماوية وعلى عاداتنا و تقاليدنا البالية .. ولكن إياك و المساس بالمرأة و حريتها المقدسة...فهذا سيخرجك حتماً من جنة المثقفين!!
_ أن تتيقن أن احتلال فلسطين وسقوط بغداد و ما يجري في الصومال و دارفور و في إقليم الباسك .. وخسارة منتخبنا بكرة القدم وارتفاع المعدلات الجامعية وهبوط الأسهم في سوق اليابان..له سبب واحد...حجاب المرأة!!!
_ أن تؤمن بأن (خير القماش ما قلّ و دل) و أن تعلم بأن التناسب بين عقل المرأة و مساحة ثيابها هو تناسب عكسي!؟
- أن لا تؤمن إلا بما تراه و تجربه ...و بما أنك لا ترى الله فلا داعي للإيمان به ...و كذلك الحال بالنسبة لعقلك..أنت لا تراه فهو غير موجود..قطعاً
ـ إذا كنت على متن سفينة و قمت بثقب أرضية غرفتك بها فتلك حريتك الشخصية التي لا يحق لأحد المساس بها...أما عندما يتعلق الأمر بالحجاب و إطلاق اللحية فذلك تخلف و إرهاب!!
ـ أن تقرّ وتعترف بأن جدك الأكبر كان قرداً.. وأنك سائر على دربه ولا تبتئس بهذا الأصل المشين فداروين كذلك كان قرداً..ولا تنسى أن سلالتك تتطور و ترتقي.. وقد يأتي يوم و ترى فيه أحد أحفادك وقد صار بشراً!؟ ... انتهى .
قال الجاحظ : (قال أهل الفطن‏:‏ إنَّ محض العمى التقليد في الزندقة لأنَّها إذا رسخت في قلب امرئ تقليداً أطالت جرأته واستغلق على أهل الجدل إفهامه‏)
وهؤلاء لم يستغلق على العقلاء إفاهمهم فقط بل أرادوا أن يبعدوا العقلاء عن خطوط الدفاع الأولى وقد فعلوا ...
لا أعرف جريدة عربية يستطيع كاتب غير مدجن أو مرضي عنه أن ينشر فيها مقالاً واحداً .. لقد سدوا على الجميع المنافذ إلا منافذهم هم ، فإذا بدت طاقة ضوء والتف حولها الشعب العربي سارعوا إلى سدها ومحوها من الوجود وتشريد أصحابها حتى لا يعلو صوت فوق صوتهم ليكونوا الحزب الأوحد والرأي الأوحد.
هل سمعت عن جريدة في مصر اسمها جريدة (الشعب) أرجو أن تبحث عنها وتعرف لماذا أقفلوها حين دافع الشرفاء فيها عن القرآن والنبي والإسلام في قضية كبرى عرفت فيما بعد ب(قضية الوليمة) إشارة إلى رواية (وليمة لأعشاب البحر) التي حفلت بالسباب والشتائم في الذات الإلهية ، وحين ثار الناس ورفض المخلصون قامت قيامة (حجاج السفارات) فأغلقوا بما لهم من سلطان طاقة الضوء الوحيدة آنذاك .
وهم أعرف الناس بإبعاد الناس عن رب الناس وتنفيرهم من دينهم وصدهم عن عقيدتهم ؛ فإذا ظهر للناس عياناً بياناً صدق العقيدة وصفاء المنهج ووسطية الدين أرجعوا ذلك إلى العلل الفلسفية والظواهر الطبيعية ؛ ليصدوا التائب ويرجعوا العائد ، ومثلهم في ذلك كمثل الأحمق الذي رأى الناس في يوم عاصف اشتدت فيه الريح يتوبون ويستغفرون الله ويهرعون إلى المساجد فقال لهم : يا قوم لا تعجلوا بالتوبة فإنما هي زوبعة وتسكن .
يا أخي : لم أعرف أحداً أقصى الآخر واغتال فكره وسد منافذ الضوء عنه أكثر ممن يسمون أنفسهم بالعلمانيين والليبراليين والأحرار والحداثيين ... إذا كنت لم تتعامل معهم من قبل فإني أرجو ( واعذرني في رجائي هذا ) أن يوقعك الله في شلة من شللهم لتعرف كمية التفاهة والسطحية والجهل والسفه والأهواء التي يتمتعون بها .
هم أتباع لأسيادهم هناك ، وأسيادهم لا يريدون سوى مصلحتهم ومصلحتهم فقط ، ثم يخدعونهم بالمصطلحات الرنانة والألفاظ الضخمة فيستوردوها لتصبح عقيدة لا تقبل الجدل وحقيقة لا تقبل النقاش ، بينما هذه المصطلحات قد بصقها أصحابها بعد أن ماتت في مهدها ، ولكن لما رأوا حمقى يقبلون كل شيئ ما دام غربياً أرسلوها إليهم ليتسلوا برؤية غلمانهم يخربون بيوتهم بأيديهم .. وهؤلاء الحمقى عندنا فعلوا فعل جحا عندما مر بصبيان يلعبون ببازي ميت فاشتراه منهم بدرهم وحمله إلى البيت فقالت أمه : ويحك ما تصنع به وهو ميت فقال لها أسكتي فلو كان حياً ما طمعت في شرائه بمائة درهم .
الكارثة أن هؤلاء اشتروا واستوردوا كل شيئ في كل مجال .. الشيوعية ، الاشتراكية ، الديمقراطية ، الرأسمالية ، الحداثة ، ما بعد الحداثة البنيوية ، الفن للفن ، الفن للحياة ، الفن الملتزم ، الفن الحر ، التكعيبية ، التجريد ، العولمة ..ووووووووووو القائمة طويلة ومملة .


يا أخي : إن علماء الإسلام أعرف الناس بالمصالح والمفاسد ، وما اعترضوا على شيئ إلا لأنهم رأوا غيره أنفع للأمة في دينها ودنياها فإذا وقع أحدهم في خطأ ـ وكل ابن آدم خطاء ـ فليس من الإنصاف أن نجعل حبتهم قبة ونملتهم فيلاً ، لنصبح مثل جحا أيضاً حين تبخر يوماً فأحرق ثيابه فحلف ألا يتبخر إلا عرياناً .
وما سمعنا قديماً ولا رأينا حديثاً عالماً من علماء الإسلام ادعى أنه امتلك الحقيقة المطلقة ، ولا الرأي المقدس ، وليس ثمة إلا الاجتهاد ، فإن ضقت باجتهاد أحدهم ففي اجتهاد غيره متسع .
والغريب أن الإقبال الكبير لا يتم في معارض الكتاب العربية إلا على كتب هؤلاء العلماء قديماً وحديثاً .. فقد ذكرت دراسة أعدتها مكتبة الشروق المصرية أن الكتب الدينية القديمة والحديثة هي التي حققت في معرض السنة الماضية ما يقارب ال90% من المبيعات وأن العشرة الباقية توزعت بين كتب الأطفال وكتب الأدب ... وأنا أعرف شخصياً كتاباً يسمون أنفسهم علمانيين يطبعون من كتبهم ألف نسخة فقط فلا يباع منها إلا عشرة على الأرجح وتكون هذه النسخ المشتراه مجاملة من أصدقاء الكاتب له ... وباقي الألف يوزعها بيده على المعارف في مقاهي المكلمة الفارغة .
لذلك فأنا لا أظن أن ما طرحه الأخ الفاضل يمثل جزءاً بسيطاً من أسباب ضآلة الإقبال على القراءة في العالم العربي بل الأسباب الرئيسية كثيرة ومتعددة ومتداخلة تداخل أزماتنا المعاصرة ... وربما لي عودة إلى الموضع .
بارك الله فيكم وأنار لنا ولكم الطريق .
هامش :
أعرف أنني أطلت وشرقت وغربت ...
واعتذاري الشديد للأخت المشرفة التي أرادت عَمراً فأراد الله خارجة .. وقَصَدَت موضوعاً محدداً فوسعناه بما ليس منه .. ولكني رأيت أن الأمر يستدعي ما قلت سابقاً فإن كان خيراً فهو خير وإن كان غير ذلك فإنني أكرر اعتذاري .... ولكم جميعاً الشكر والتقدير .

رد أ. متفائل رغم

رد أ. متفائل رغم الصعاب :

أخي الكريم // علي فريد

هدئ من روعك أخي الكريم ولا داعي لتضخيم الخط والانفعال ، فنحن في منتدى يؤسس أبجديات النجاح والتفوق . ولا أعلم لماذا ثارت حفيظتك لمجرد انتقادي للفتاوى التكفيرية ! كان بالإمكان ضم جميع الفتاوى وإدراجها - ظلماً - ضمن الأسباب التي أدت لتردي مستوى القراءة في العالم العربي - كفتوى إرضاع الكبير ! -، ولكن هل تعتقد أن ذلك سيكون محايداً ومجرداً ؟ انتقيت فقط الفتاوى التكفيرية بحق الكتاب والمؤلفين ولم أظلم أو أتجنى على أحد - ويعلم الله - أنني طرحت هذه الإشكالية لإثراء الموضوع بالأفكار والأسئلة والنقاشات وليس لأفكار لاواعية أو مسبقة كما قد تتصور والله شهيد على ما أقول ! ومجمل ماذكرته هو أن الفتاوى التكفيرية تشكل البعد الرابع في تراجع مستويات القراءة وتتحد مع البعد السياسي ، الاقتصادي و الاجتماعي ، وربما أثار هذا البعد حفيظة الأخت فاطمة فوصمت ماذكرته بالتكلف والإقحام ! وعودٌ على بدء طرحت الآثار الوخيمة لهذه الفتاوى على العلم والوعي العربي وما تسببه من تحجيم النشر المعرفي واغتيال الملكات والقدرات العقلية وصولاً إلى ترسيخ مفهوم التعصب ومايجره الأخير من مآزق خطيرة تعرقل مسيرة النمو الحضاري والفكري . وتعاملتُ مع هذه الفتاوى كما هي متشكلة ظاهرياً وآثارها الواقعية ولم أتجرأ على الغوص في القلوب ومطارة النوايا !! وتذكر أخي الكريم أنه في ردي الأول سردتُ جميع الأبعاد الأربعة لتراجع مستويات القراءة - وهي أكثر من ذلك بكثير - بدون تحليل .. وحساسية الأخت فاطمة تجاه موضوع الفتاوى حفّزني للخوض في هذا الموضوع ، ولو أردتَ تقصّي الأبعاد المتبقية فأنت حر وصاحب إرادة ورأي ، ولو أردت إضافة بعد خامس عن الليبرالية أو العلمانية ودورها في انحباس القراءة والوعي فأنت حر أيضاً . ونحن هنا كباراً وصغاراً وبكافة أطيافنا وألواننا نطرح هذه الأزمة الكارثية لنتكاتف في النهوض وإعادة الاعتبار لأمتنا العربية والإسلامية ، من تقريع حس داخلي عميق يُلقي بظلاله علينا صباح مساء ويدعونا لمجابهة هذا التحدي كيلا نكون أضحوكة للأجيال اللاحقة كما نضحك حالياً من الأجيال السابقة !

هناك مشكلة قد تترك زخماً كثيفاً في نفس الإنسان العربي في هذه الأزمة التي يعانيها عالمنا العربي : وهي فحص الإنسان بعينٍ عوراء ، فهناك في عقول الكثيرين قوالب جامدة متشكّلة " سلفاً " بناء على معطيات مغلوطة " في الغالب " وعليها فيجري سكب الإنسان فيها ، فإما أن تكون : إسلامي أو ليبرالي !! وبمجرد قراءة سطحية للكاتب فإنه يصنّف إلى : عميل السفارات - زنديق - علماني ..... أو : صحوي - رجعي - متخلف - ..... فكأن الله خلق لنا الأبيض والأسود فإما أبيض وإما أسود ، وحالما يتم التصنيف فيمسي هذا الكاتب المسكين : ليبرالياً عميلاً أو صحوياً متخلفاً إلى يوم يبعثون ! وهذه القولبة للآخرين تحيلنا إلى نظرة إقصائية أحادية الجانب تمتد آثارها لتستوعب الظواهر الطبيعية والكونية والأحداث السياسية الداخلية والخارجية ، فبدلاً من التعامل مع الآخر بصيغة ( أنا - أنت ) التي تضمن احترام الآخر والاعتراف بإنسانيته وحقه في العيش والتفكير ، تستنسخ إلى علاقة ( أنا - ذاك ) ذاك هو ذلك الليبرالي العميل والصحوي المتخلف ! ذلك هو الكائن الذي لا أعترف به ولا برأيه ولا أعتد بوجوده ، ولذلك فأستطيع ممارسة كافة أشكال الاستباحة بحقوقه وإنسانيته ، وبالتالي فإما أن يرضخ تحت سلطتي وحكمي وينفذ إرادتي وقراري ، وإما أن يظل مبخوس القيمة ومستلب الكيان .

وكلا الفريقين يناصب العداء للآخر ويتصيد الزلات ويتلقط العثرات ، فيضحي الإنسان العربي البسيط بين سندان الليبرالية ومطرقة الصحوية - لو صح التعبير - وفشل كليهما في تهيئة بيئة مناسبة تضمن " الأمن والسلامة " ليس على المستوى الفكري فحسب بل المستوى الأمني الذي يشهد تدهوراً خطيراً ، والنتيجة هي انحسار المد الثقافي وتضخم مستويات البطالة إلى الحد الذي أصبح تنامي ظاهرة " شباب الظل " يهدد الأمن القومي .

- النظرة ذات البعد الواحد التي ضمنتها في كلامك من خلال ما أسميتها بالمتناقضات : رجعي - وهابي - متطرف ..... ، ولعمري إنها النظرة التي تُجسّد : النظر بعين عوراء ! فكما أن الفريق اليساري يطلق هذه الأحكام ، فلماذا التعمد وإسقاط "متناقضات" الفريق اليميني الذي تعجّ أدبياته هو الآخر بمثل هذه المتناقضات - على حد تعبيرك - : زنديق - عميل - لاعق أحذية - فاسق !! ومن هنا فإن تشكل هذه القوالب المتشابهة في تركيبها والمختلفة في محتواها يعكس القيمة الهزيلة المتجذرة التي ينظر كلٌ منهما للآخر . فهذه القوالب هي نتاج لبيئة معينة متشابهة ، ومسكوكة وجاهزة تنتظر التعبئة في أوروبا وأمريكا أو منابر المساجد بين ظهرانينا ، والذي يبدو لي أن هذه الإسقاطات المنمّطة على الآخرين تعكس الانغلاق الذي يعاني منه كلا الفريقين ، فالتنوع الفكري الهائل والأديان والعقائد المختلفة شلت كل قدرة على التفكير ، والمرونة الذهنية التي تستوعب كل هذه المشارب والمنابت ، فاستحالت إلى فوضى ذهنية ركست بنا إلى عصور مظلمة .

ينسى كثير من المتحمسين للحضارة الغربية أو المتعصبين ضدها ، أن الحضارة الغربية التي تكونت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الماضية ، أنها كانت ومازالت ذات وجهين متناقضين لعملة واحدة ، وجه أسود قاتم كالذي ذكرتَه والمتمثل بأبشع صور الاستعمار العسكري في التاريخ والذي يواكبه استعمار ثقافي لاستنتساخ القيم الأصيلة بقيم أوروبية بحتة ، والمذابح والقتل التي طالت الأبرياء في أمريكا من الهنود الحمر والزنوج ، والحروب الكونية البربرية التي كدّست الضحايا كأبشع حرب عرفها التاريخ ، والفوضى البناءة التي تهدف إلى زعزعة النظم الثقافية والأمنية في البلدان النامية لفتح ثغرات سياسية واقتصادية يسهل من خلالها التسلل إلى أساس الهيكل التركيبي للدول ، والحروب الطاحنة في فيتنام وأفغانستان والعراق ووووو ، ستظل هذه الفضائح ملتصقة بالعالم الغربي قرون وقرون ، ويُرجئ كثيرون ومن ضمنهم " هابرماس " إلى أن مصطلح ما بعد الحداثة تشكل بعد الاصطدام الحضاري للشعوب الغربية بمنظومة القيم المثالية التي كرّسها فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر ؛ إذ كيف يتم ترسيخ مبادئ العدل والمساواة والحرية وحقوق الإنسان وعند أول احتكاك يتم نسف ماتم بناءه ! وتجنباً للإسهاب والغوص في هذه القضية سأحيلك إلى كتاب : الحداثة ومابعد الحداثة للمؤلف بيتر بروكر ومن ترجمة د.عبدالوهاب علوب ومراجعة د.جابر عصفور ، وللأمانة الموضعية لم أقرأ الكتاب حتى الآن ولكن قرأت عدة صفحات نقدية عنه ، وأظنه يفي بالواجب . كل هذه الحقائق وقائع تاريخية لا مجال فيها للاستدارة والمداورة .


- ولأننا ننظر من ( عين عوراء ) فلا نعرف من الحداثة الغربية إلا تلك الأحداث السوداء ، فدعنا ياسيدي ننظر إلى الوجه الآخر - الذي نتعمد إسقاطه - : الأبيض الناصع التي يرفع من قيمة الإنسان ويعلي شأنه ككائن كرّمه الله - سبحانه وتعالى - بالعقل والحواس وسخّر له الأرض والسماء والأفلاك تجري من حوله ، فازدادت ثقة الإنسان بنفسه وبقدراته ، وكرّس وقته وجهده لاستكشاف الظواهر الطبيعية التي تسيرها قوانين صارمة ودقيقة ، فنشأت التجريبية الانجليزية كردٍ لتنامي العقلانية الأوروبية ، فبين وذا وذاك سنّ كانط منهجه الذي يجمع بين التجريبية والعقلانية ، فانبثقت من فلسفته كل أسس وسمات التفكير العلمي الحديث ، ويعود الفضل له بشكل مباشر أو غير مباشر في كل الثورة المادية التي تفوق كل ماصنعته البشرية في تاريخها كله . ولا يجب التغافل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تسمح لك بسبّ الغرب في عقر داره - على الأقل قبل 11 سبتمبر - أخي الحبيب .. انظر فيما حولك : مناديل الورق وأكياس القمامة والملابس التي تستر بها عورتك ، ستجدها من صنع الحضارة الغربية ! إن الأشياء الجامدة التي صنعها الغرب هي من جعلتك تعيش رفاهية مادية لن تحلم بها ! إن العقاقير والأدوية والطرق العلاجية كلها من الغرب .. كلها !! ونحن ؟ نتبادل التهمات : هذا عميل وهذا متخلف !! نحن أصبحنا عالة على الدنيا بتحقيرنا لكل من نخالفه وتكفيرنا لكل من نشتمّ منه رائحة الاقتراب من التابو المقدس !! إن الأزمة التي نعانيها ليست إلا غطاء سطحي يستر أزمة تاريخية متجذرة في اللاوعي العربي الإسلامي . وحتى هذا الموضوع أصبح أضحوكة ! فمن أين أتى " علي فريد " بعد سنتين من الاختفاء ؟ أين كان كل تلك الفترة ؟ ولماذا ظهر في هذا الوقت وبهذا الموضوع بالذات ؟ ألا يعكس كل هذا أزمة الازدواج التي نعاني منها ؟ لماذا لا يظهر بحقيقته ؟ قد يكون مشرفاً أو أو أو فلماذا كل هذه التستر ؟ والحساسية المفرطة للنقد موجودة لكل إنسان ، تلك سنة الله التي اقتضاها .. ولكنها تحتاج إلى كثير من المران والترويض للاستجابة للنقد بحيوية .

وعموماً .. فإن ماذكرته من فضائل الحضارة الغربية ومايتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان ، لا يعني أنها متكاملة ومطلقة بل تعاني من قصور كبير خصوصاً عند التعامل مع الأجانب المسلمين . فجميع القيم القروسطية السائدة في القرون الوسطى ذبلت وماتت ولكن بقي شيء واحد : الموقف من المسلمين ! ظل هذا الموقف متجذراً في لاوعي الأوروبيين والغربيين طيلة القرون الثلاثة الماضية ، والحقيقة أن الكراهية ترجع إلى الحروب الصليبية إذا تتبعنا سياقها التاريخي . إذ أن الموقف من المسلمين كامن كمون النار في الزند وربما ينفجر قريباً أو قد انفجر ! والاعتداءات العنصرية المؤدلجة على المسلمين ليست وليدة أحداث 11 سبتمبر ، ولكنها اعتداءات في اطراد وتصاعد بطيء بدأ أساساً منذ ثمانينيات القرن الماضي وهو مؤشر خطير على التفلت القيمي الذي تعاني منه الحضارة الغربية .

ورجائي لك ( كما رجوتني ) إذا لم يتيسر لك حتى الآن الخروج في نزهة لأوروبا أن تسارع في التجهيز لهذه النزهة ، واجعلها طويلة المدى حتى تنضج وتستوي أوروبا في عقلك . بالمناسبة .. هل كمية التفاهة والسطحية والجهل والسفه التي يتمتع به الليبراليون والعلمانيون .. عاينته بنفسك ؟

هذه هي أوجه الحضارة الغربية تُفرض علينا فرضاً ، فمهما ازداد الوجه الأسود قتامة ، ازداد الوجه الأبيض لمعاناً ... هذه الحقيقة .. هذه الصيرورة .

- الأمر الآخر المتعلق باللعبة السياسية القذرة ، وماحصل في الجزائر وغزة ويحصل في العراق فهذه أحداث لا تقبل الاستدارة أيضاً ، ولكن دعني أسألك وأجبني بتجرد تام : من الذي سمح للقوات الأميريكية بالدخول في الخليج عام 1990 وأقصد من أعطاها " الشرعية " ؟ وبالرغم من أنني لم أعاين تفاصيل تلك الحقبة مباشرة ، ولكن جميع الأدبيات والشواهد ترجئ كثيراً من أعمال العنف في الخليج إلى آثار تلك "الفتوى" التي أباحت دخول القوات الأجنبية ، فهل سيتهم ذلك المفتي بالعمالة للأجانب والحجّ للسفارات ، ولو أردت لأعطيتك الموقع الخاص بتلك الجماعات المتطرفة لتشاهد عياناً بياناً كيف يتم التكفير للعلماء وطلاب العلم والتي تعكس الأزمة "الخانقة" التي تعاني منها تلك الجماعات المتطرفة . والغرب الذي يدعي مساعدتنا وتوطين مبادئ القيم والديمقراطية في بلادنا ، يضع يده في يد الحكام العرب اللذين بدورهم يحظون بمباركة رجال الدين !

همسة :
أشكر الأخت فاطمة على طرح الموضوع وأعتذر منها اعتذاراً شديداً بمطّ الموضوع إلى أبعاد مختلفة ، كما أشكر الأستاذ الفاضل محمد فريد على مناقشته الموضوعية والعقلانية معي ، وأقول فعلاً إننا بصدد إنسان يُحيط فهماً بالعالم العربي والمفاهيم والتيارات الحديثة ، ولعل مشاركتك السابقة أثارت عدة نقاط في نفسي للتفكير وإعادة النظر والتأمل فيها ، وأشكر الأخ علي فريد .

وأعتذر عن المشاركة مرة أخرى في جو مشحون بالتستر والتخفي ! كما أن المعاينة بعين واحدة لا ترتقي لأبجديات الحوار والنقاش ، ومهما كان اختلافك معي ومع غيري فهذا لا يبيح لك تقصي الجوانب السلبية وإهمال الجوانب الإيجابية ، وإظهار عيوب الآخرين والتستر على عيوبك . وهذا الإهمال هو مايخلق نوع من اللا توازن في طرح المواضيع ، ويبدو أن هناك نوعاً من التناقض حصل بين الأخوة أعلاه : فالأخ علي فريد ينفي بشكل تام قضية " التكفير " والأخ محمد فريد يثبتها بقضية الرافعي وطه حسين ! وفعلاً نحن في سلطة .

وإذا كان التكفير ضرورة دينية تنطوي على العقل التصنيفي ، فماذا جنى العلم والوعي من هذه الضرورة ؟ هل ازدادت معدلات القراءة في العالم العربي ؟ وتلاشى الجهل والنظرة الخرافية للحياة ؟ ولا أعلم مالذي سيّس الموضوع وجعله يخرج عن مساره ، فنحن نتحدث عن الفتوى التكفيرية وأثرها على القراءة ، فما علاقة الليبرالية والعلمانية بالموضوع ؟ بالإمكان أن نفتح علاقة الليبرالية والعلمانية مع تدني مستوى القراءة بعد الفراغ من قضية الفتاوى التكفيرية ؛ لكي نسير وفق تسلسل منطقي ومنظم بدلاً من العشوائية والفوضى .

ومهما يكن ماطرحته من رأي ، فهو قابل للنقد والاعتراض والنقض ... وتبقى القضية توحدنا معاً لمحاربة الجهل والسيطرة الخرافية على عقول العرب ، مهما تباينت أشكالنا واختلفت ألواننا فإننا نتفق على سيادة الجهل على المصير .

تحياتي للجميع
ودمتم بألف خير

ولكي أبين لكم " بالحقائق والأرقام " مبيعات كتب من يطلق عليهم " حجاج السفارات " اذهبوا لهذا الموقع وانظروا عدد الطبعات لمؤلفاتهم ، وليس دفاعاً عن أحد ، ولكن إطلاق الأحكام المسبقة والانفعالية الخالية من المصداقية يتعارض مع أبجديات الحوار ، فالقصص التي نسجها أخينا الكريم حول ضآلة القراء لمؤلفاتهم تتعارض مع عدد طبعات الكتب !! فماهي دار النشر المجنونة التي ستطبع خمس أو ست طبعات لمؤلفات أبو زيد مثلاً ؟ هذا يعني أن هناك إقبالاً على قراءة هذه الكتب ، هذا غير النسخ والمطبوعات المقرصنة والتي يتم تداولها من خلال الشبكة .

http://www.neelwafurat.com/index.aspx

دمتم بخير وأكثر مصداقية

رد أ. محمد فريد

رد أ. محمد فريد :

يبدو أن مشكلة القراءة .. ستجرنا إلى " مشكلة الكتابة " !!
قال لي أحد فضلاء الناشرين - وهو طالب علم .. وصاحب رؤية - : إن مشكلة القراءة في العالم العربي تابعة لمشكلة أصيلة : أن الكاتب المتميز الذي يجعل القارئ مترقباً لما يكتبُه صار في حكم النادر .. فالأزمة أزمة تأليف قبل أن تكون أزمة قراءة !!
والحديث لم يُلقِنا خارج أسوار الموضوع ، وإن تشعب بنا في حواريه .. لأن " ماذا أكتب " يتبع سؤال " لمن أكتب ؟ " .. وهذا يستلزم اتخاذ موقف واضح من ثقافة الأمة التي ستتلقى عني ما أقول .
..................
لست مجبراً على إخفاء سعادتي بهذا " الصدام الفكري الخلاَّق " .. لأنني بعيدٌ - بحمد الله - عن فكرة " الحوار الهادئ" .. و"الموضوعية المحايدة " .. و " الاتزان العلمي " .. حين تساق هذه الكلمات بمعنى : أن لا يكون لك لونٌ "أبيض" أو "أسود " .. ولا رأيٌ "صواب" أو "خطأ " .. ولا موقفٌ "مع " أو " ضد " !!
هي كلمات صحيحة .. حين تساق بمعنى صحيح .. ولكن غالب استخداماتها الآن هي بمثابة تنصل من اتخاذ موقف واضح .. إما جهلاً به .. أو نكوصاً عنه.
والذي يقرأ المجلات الأدبية الأصيلة في الأربعينيات من القرن العشرين ، يجد نفسه أمام " حوارات قوية " .. تصدر عن " عقول قوية " .. لا تتوارى خلف " ليونة القول " ، ولا " ادعاء الحيادية " .. لأن " الفكر " لا حيادية فيه .. مهما زعم مدَّعيها.
نحن الآن أحوج ما نكون إلى نقاش معرفي متواصل ، يصدر عن عقول متميزة ، برغبة صادقة في الوصول إلى وجه الحق .. أو وجوهه .. وأظن هذا ما يجري على هذه الصفحة بين الأستاذين : علي فريد .. و " متفائل رغم الصعاب".
....................
واسمحوا لي بإشارات بين التساؤل والإجابة :
قضية التكفير :
سعيت في المشاركة السابقة إلى بيان أن التكفير إذا انبثق من ضوابط الشريعة - التي يعرفها علماؤها - فهو حق ، كما أن لكل مذهب بشري تمام الحق في أن يُخرِجَ عنه من ليس منه .
والآن .. ما صور " المكفرين " في واقعنا الثقافي المعاصر ؟؟
ثمة فئة ممن لم تتضح عندهم ضوابط فهم النص الشرعي ، ولم يتلقوا العلم عن أهله ، ولا راضوا أنفسهم على خلق الأئمة الأعلام في اتخاذ الحيطة والتماس العذر ، يتوسعون في " نبز " الآخرين " بالتكفير " حيناً .. و" التبديع " حيناً .
ولكنهم فئات قليلة ، وليس لهم عند المفكرين الأصلاء ، والعلماء الكبار وزن ولا مقام ... وهم إلى ساحات الجدال العقيم أقرب من مجالس الفكر الصحيح .
ولكن المشكلة الكبرى أن كثيراً ممن لا يميز بين كفر وإسلام .. وليس له في معرفة تراث أمته ، ولا دينها ، ولا آدابها قَدَمٌ ولا سابقة .. أصبح يظن الإسلامَ ما هو عليه .. فإن جاءه غيرُه بآيةٍ يجهلُها أو حديثٍ يجافي ما عليه هواه .. فهو " مكفر " " رجعي " " وهابي " ..
هذا مع حسن الظن حتى نبلغ أطراف السذاجة .. فإذا أردنا الحزم .. فكثير منهم قد نفض يده من الأمر كله .. وصارت اللعبة عنده دائرة وراء " المصلحة " و " المفسدة " .. فما جَلَبَ المال فهو المبدأ الصحيح .. وما أسخط عليه أهل المال فهو الباطل المنكر.
وإذا قسنا " الظاهرة " بصورة كمية .. وجدنا أن فئة من " ينبزون " أهل الرأي الصحيح " بالتكفير " أضعاف أضعاف من يكفرون البريء ، ويبدعون المسلم .
لست أدري يا أخي المتفائل إن كنت قد جلست في منتديات المثقفين أم لا .. ولكنني رأيت منهم الكثير .. وناقشت بعقل مفتوح ، وقلب قلق .. وكنت أبحث عن هدى ، وأطلب معرفة .. فهالني ما وجدت من جهالةٍ تختفي وراء الألفاظ المعقدة ، وجبنٍ يدعي الشجاعة بنقض المتفق عليه ( وهو يعلم أنه " مسنود من دواوين السلطة !! " ).
وإن أردت أن ترى ذلك بوضوح يزكم أنفك ... ويجرح براءة القلب ومنطق العقل .. فاذهب إلى معرض الكتاب بالقاهرة - وموعده قريب - .. وانظر إلى كثير مما يلقى فيه من ندوات ... ومن يديرها .. ومن يصفق لها .. وسيكفيك ذلك عن نقاش طويل .

..................

أما " العمالة للسفارات " فهو " حديث متفق عليه .. رواه البخاري ومسلم !!!!!!! "
ولم يعد الآن تهمةً تبحث عن دليل ، وإنما ظاهرة تحتاج إلى تحليل .
ولعلك سمعت بكتاب فرانسيس سوندرز " من يدفع أجر العازف " الذي تحدث بالتفصيل عن أثر المخابرات الأمريكية - الخفي والمعلن - في دعم كثير من المثقفين في العالم كله .. حتى بعض من ينتسب إلى اليسار .. ولعلك سمعت بتراشق التهم بين عدد من " قدامى اليسار المصري " عن مبالغ كانت ترسل مباشرة من سفارة روسيا .. إلى " جيب " المفكر التقدمي !!

....................

الموقف من الغرب .. شديد التعقيد والتشابك .. وليس هذا مجال الحديث المفصل فيه لأنه في حاجة إلى طرحٍ أكثر عمقاً . .. ولكن .. ليأذن لي أخي الكريم " المتفائل " أن أتحفظ على رأيه بأن كل ما ننعم به من رفاهية مادية هو من صنع الغرب .. واسمح لي هنا بشيء من التفصيل :
في أية ظاهرة ؛ نحن في حاجة إلى أن : نحلل عناصرها الحالية بدقة ، وأن نتتبع تاريخها بإنصاف .
والذي ينظر إلى الغرب الآن يبهره ما فيه من نظام عقلي واجتماعي وسياسي .. ويرى له وجهاً آخر متجنيا على الثقافات الأخرى بالاستعمار والتجويع .. فيعجب من اجتماع المتناقضين .. ولكن الأمر - في ظني - أعقد من أن أجمع الماء والنار في إناء واحد.. ثم أقف متعجباً من هذه " المعجزة " !!
الاستعمار ونهب ثروات العالم ليس " صفة ثانوية " ، ولا " وجهاً مظلماً للغرب " .. وإنما هو " صميم السياسة الغربية " من البداية .. حتى الآن .
ولا يمكن أن نفكر في وجود حضارة غربية أبداً دون أن يكون الاستعمار ونهب الثروات هو نقطة الانطلاق .. والنهاية.
ولا يمكنني أن أتحدث الآن عن أن " الغرب هو الذي يعطيني الحضارة " دون أن أفكر بالصورة الحقيقية .. وهي أن " الغرب هو الذي يمنعني من الحصول على الحضارة " .
أنت تعلم يا أخي الكريم أن هذا الغرب يحافظ بدقة على " توازن القوى " ، ولا يسمح أبداً لحثالة البشر - الذين هم نحن - أن يفكروا لأنفسهم .. وكلما خرجت فئة وطنية تسعى إلى إصلاح مجتمعها في دولة من دول العالم الثالث قامت القوات ( الدولية ) بردعها ..
ليس هذا كلامي .. وإنما هو كلام المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي في كتابة المتميز " ماذا يريد العام سام " .. ولو رجعت إلى الكتاب لوجدت تفاصيل تهولك .. ولعلمت أن الأزمة الأولى للعالم الثالث هو العالم الأول الذي يريده أن يظل كما هو .. وأن لا يسمح له من المعرفة إلا بما كان يسمح به الاستعمار الإنجليزي للرجل الهندي : أن يتعلم ما يمكنه من أداء الوظيفة في دواوين الحكومة الاستعمارية ، بالصورة اللائقة !!
لا يا أخي الحبيب .. ليس الغرب هو الذي يصنع لي ما أستر به عورتي .. وإنما هو الذي يهتك عني ستري .. ثم يلوِّح لي من بعيد بثوب شفافٍ يزيدني لبسُه عرياً !!
وإذا كان الغرب قد أخذ ثراث ما سبقه من حضارات وبنى عليه ، ثم نهب ثروات أمم الأرض فاستقوى بها ، ثم فكَّر وقَدَّر فأبدع ما أبدع .. ثم تسلط وتجبر حتى قضى الله عليه بالحربين العالميتين .. فلماذا لا يسمح بعد هذا كله لأهل الأرض أن يعيشوا كما يعيش .. أم أنه يخشى إن عشنا الرفاهية أن يعود هو إلى الضنك؟!

..................
ولا أظنك تطلب منا جميعاً أن نذهب إلى أوروبا لنعرف أوروبا ، ثم نزور الهند لنفهم الهند ، ثم نسافر إلى الصين لنتحدث عن الصين ، ثم نحلق في أجواء أستراليا لنحلل طبيعة أستراليا .. ولو كان الأمر كذلك لكنا طيلة الحياة بين وكالات السفر ومكاتب الشحن !!
ذكر أنيس منصور في كتابه " في صالون العقاد كانت لنا أيام - إن لم تخني الذاكرة - أن العقاد احتد على من أشار إلى أن المرء لا يفهم المكان إلا إن زاره أو درس فيه .. لأن العقاد يفهم جيداً طبيعة الحضارة الغربية دون أن يجاوز البلاد العربية .
.....................
دعنا الآن من النقاش .. ولأكن واضحاً صريحاً في سعادتي بأنك معنا في منتدى فريق النجاح .. لأنني - بحق - أشعر بتوقد ذهنك من وراء حروفك .. وبصدقك في البحث عن الرأي الصواب .. ولا يضيرني ولا يضيرك أن تختلف الرؤى ما دامت القلوب صادقة ، والعقول منفتحة .. ودعك من دعوى تستر الأستاذ علي فريد .. لأنني لا أدري كيف يُظهِرُ نفسه أكثر من أن يظهر باسمه الذي سماه به أبوه يوم وُلِد .. وهو شاعر مبدع .. وأديب مطبوع .. وباحث للدكتوراه في الأدب العربي .. ومقالاته كثيرة في الموقع ( وأظنك لو قرأتها ستعجبك .. ولو لقيته سيجعب كل منكما بصاحبه .. ) ..
كتبت عنه لأني أعرفه .. ولم أكتب عنك لأني متشوِّقٌ إلى أن تعرِّفَنا بك .
وإذا كان " الصدام المعرفي " سينتج لنا مثل كتابة الأستاذ علي وكتابتك .. فأهلاً ومرحباً به ..
وفقنا الله لمرضاته .. ونوَّر قلوبنا بمعرفته .. وجمَعَنا على محبته .

رد أ. فاطمة

رد أ. فاطمة التميمي :

يبدو أن الموضوع تشعب وأخذ بعداً غير مقصود ، والطريف أن الأزمة الخانقة لم تستطع أن تجهز علينا ، بل فتحت لنا بابا نتنفس منه وندلف إلى حوار جاد .. وبالتأكيد فإن مبدأ الحوار إذا التزم بشروطه العلمية وأحيط بسياج من الأدب وحسن الخلق ، كان سبيلا للوصول إلى الحقيقة وإثراء المعرفة .

وحتى نستوعب شتات الموضوع ألتمس من الإخوة أن يسمحوا لي بتلخيص الأفكار الأساسية فيه .

أولا : القراءة الناضجة تحتاج إلى بيئة - تربوية واجتماعية وسياسية - محفزة تبني العقول وتربي النفوس .. .. و لا يقتل الفكر مثل البيئة الفاسدة التي تربي الإنسان على الدعة والخمول ، وتلهيه في التوافه التي لا قيمة لها .

ثانيا : الحرية هي المناخ الصحي الذي تنمو فيها المعارف والأفكار ، أما الاستبداد الفكري والسياسي ، فإنه لا يبني إلا النفوس الضعيفة والعقول الهزيلة .

ثالثا :الفكر الإسلامي ينطلق من قواعد أصيلة ومنابع كريمة ، ولا يتم إيمان الإنسان إلا إذا استسلم للنص الشرعي ووقف عند حدوده ، تحقيقا لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) ، وقوله : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) .

وحرية الفكر لا تعني التطاول على الثوابت ، والقفز على الأصول .كما أن الإبداع الفكري أو الأدبي لا يقتضي العبث بقواعد الشريعة أو الاستهزاء بهوية الأمة وتاريخها وحضارتها .

أزمة العلمانيين أنهم يصولون على الشريعة صولة المحاربين ، ويسقطون كل مقدس ، ومع ذلك يرفعون شعار الحرية ، وإذا مارس أحد المفكرين الإسلاميين حرية الرد عليهم اتهموه بالظلامية ، والتكفير و.. و.. !!

رابعا : التكفير أمره عظيم وشأنه خطير ، ومع ذلك فهو حكم شرعي لابد من بيانه عند توافر الشروط وانتفاء الموانع ، فكما أنه لا يجوز إخراج الناس من دين الإسلام إلا ببينة لا شك فيها ، فكذلك لا يجوز إدخال الناس فيه إلا ببينة .

المشكلة في تقديري ليست في إطلاق الأحكام ، ولكن في أن بعض المتفيهقين من الرويبضة تسوروا المحراب وراحوا يخوضون فيه بغير علم أو فقه ، ولو أن الأمر ترك للعلماء الراسخين لزال الإشكال ، لكن المؤسف حقا أنه حيل بينهم وبين ذلك في كثير من دول العالم الإسلامي !

خامسا : مشكلة كثير من العلمانيين والليبراليين أنهم وقفوا أمام الفكر الغربي موقف المنهزم الذليل ، الذي بهرته الحضارة الغربية بوهجها فأصبح مجرد إمعة غير قادر على التفكير أو التمييز !
وقد تحدث جان بول سارتر في مقدمة كتاب فرانز فانون ( المعذبون في الأرض ) عن الدور الفرنسي في صناعة الإمّعات الفكرية ، فالفرنسيون يصرخون في باريس ، ثم يرجع الصدى من المشرق باسم الفكر والإبداع ، بل إن فؤاد زكريا أحد أبرز منظري العلمانية صرح بأن المشروع العلماني العربي ما هو إلا استنساخ للفكر الغربي وأن العلمانيون العرب لا يملكون مشروعا مستقلا للنهضة ! وتحدث عبدالعزيز حمودة بشيء من التفصيل عن ذلك في كتابيه الشهيرين : المرايا المحدبة والمرايا المقعرة ، وبالمناسبة فإن حمودة ليس موصوماً بتهمة الانتماء إلى " الإسلام السياسي" !!

العمالة الفكرية لكثير من دهاقنة العلمانية واضحة وضوح الشمس في كبد السماء ، ولم أجد فجاجة تثير الإشمئزاز كتلك الاحتفالية التي تبنى الدعوة إليها رؤؤس العلمنة في مصر بمناسبة مرور مائة عام على دخول نابليون إلى مصر ، فهم بذلك جمعوا بين العمالة الفكرية والخيانة الوطنية !!

لقد كان كثير منهم يستخفي بهذه العمالة ، لكن في الآونة الأخيرة أصبحت العمالة الفكرية زينة يتجمل بها بعضهم ويتبختر ، وحسبك أن تقرأ كتاب الليبرالية الجديدة لشاكر النابلسي لتكتشف هذه الحقيقة بلا عناء!

وقد افتضح الليبراليون فضيحة مدوية قبل سنتين عندما اجتمع رؤؤسهم في كتابة خطاب للأمم المتحدة يطالبون فيه بمحاكمة بعض الفقهاء المعاصرين لأنهم طالبوا بمقاومة الاحتلال !!

وافتضحت حريتهم العوراء في أزمة الحجاب في فرنسا ، حيث كتب عدد من العلمانيين العرب بيانا يؤيدون فيه الحكومة الفرنسية التي سنت قوانين جديدة للحد من ظاهرة الحجاب ، ويتحدثون في البيان نفسه عن حرية الشذوذ الجنسي .. فأي تناقض أعجب من هذا ؟!

سادسا: الإبداع التجريبي في الغرب مشترك إنساني فالعلم لا جنسية له ، ولابد أن نعترف بتخلفنا وقصورنا في هذا الميدان ، لكن مشكلة العلمانيين أيضا أنهم ربطوا بين التحديث التجريبي والتغريب الفكري ، واختزل القضية طه حسين حينما طالب بمتابعة أوربا بحلوها ومرها بخيرها وشرها .. ومع ذلك فهو أعقل نسبيا من صبيانه الذين سقطوا في أحضان أمريكا وراحوا يسبحون بحمدها ، ويقلدونها بمرها ومرها .. بشرها وشرها !!

قبل أربع سنوات تقريبا عقد مؤتمر في بيروت بعنوان ( الحداثة .. والحداثة العربية ) حضر فيه نصرأبوزيد وأشباهه ، وكانت رسالة المؤتمر الدعوة إلى القطيعة التامة مع التراث الإسلامي والثورة على المقدسات البحث عن هوية جديدة بقبعة عصرية !!

الحضارة التي يبشر بها أولئك المنهزمون تهدف إلى تحويل الأمة إلى مستنقع غربي آسن لا حياة فيه ولا روح إلا للبكتيريا والفطريات !
ختاما أشكر جميع الأخوة الذين شاركوا في إثراء الحوار ، واتسعت صدورهم للآراء المخالفة .. خاصة الأستاذ على فريد الذي حل ضيفا علينا في الموضوع ، ونرجو أن نستفزه ثانية للمشاركة في موضوعات أخرى .
أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه

رد أ. علي فريد

رد أ. علي فريد :

وما شهدنا إلا بما علمنا ...
إذا كان لكل امرئ من اسمه نصيبٌ كما يقال ، فإن لكل موضوع من عنوانه نصيبٌ أيضاً .. وأظن أن الأخت الفاضلة فاطمة التميمي كانت تنظر من وراء الحجب إلى ما سيؤول إليه موضوعها الذي طرحته وعنونته ب (أزمة خانقة) .. فلقد أصبح الموضوع أزمةً خانقةً حقاً .. وإن كنت على يقين من أنها لم تكن تتمنى أن يصل النقاش إلى ما وصل إليه من العصبية والتشنج الذي أظن أنني أحمل بعض وزرهما دون قصد أو تعمد .
الأخ المتفائل الذي سعدت بقراءة عقله المبدع من خلال سطوره الخلاقة ظن أنني وجهت له أصابع الاتهام ، ثم صنفته ، ثم حكمت عليه .. فإن كان كلامي السابق يُفهم منه هذا المعنى فإني أبْرَأُ إلى الله ثم أبْرَأُ إليه ثم أبْرَأُ إلى الناس من هذا الفهم ؛ فأنا لم أتشرف بَعْدُ بمعرفته معرفة تؤهلني للحكم عليه ، وما كتبه في مشاركاته السابقة ينم عن عقل منظم ، وفهم متجاوز ، وبحث عن الحقيقة ، وحرقة صادقة على أمته قلما تُوجد في كثير من الكُتَّاب ... وإن كنتُ قد رأيت في بعض كلامه رأياً فإن هذا الرأي لا يقلل من فضله ، بل هو دليل على كمال بشريته واتساق إنسانيته ؛ فالإنسان الكامل هو الذي يصيب ويخطئ ويؤخذ من كلامه ويرد ... ثم إنني قبل هذا وذاك لست مغرماًً بإطلاق الأحكام على الناس أو تصنيفهم ؛ فلكلٍ وجهة هو مُوَلِّيهَا ، وللناس فيما يعشقون مذاهب ، والتصنيف أرضٌ زَلِقَة يمشي فيها الماشي كما يمشي الوجي الوَحِلُ .. ثم لا يأمن بعد ذلك من السقوط ... وأنا في غنى عن هذا كله .

أكثر ما يُرهقني نفسياً أن أجد نفسي مضطراً للحديث عن المقدِمات التي أدت إلى النتائج ، أو المُسَبِّبَات التي أدت إلى المُسَبَّبَات ، أو الجواهر التي أدت إلى الأعراض ؛ لأنني حينئذٍ أكون كمن يُنَقِّبُ عن الأرباع الثلاثة لجبل الثلج المختفية في الأرض ولا يكتفي بالنظر إلى الربع الظاهر فقط ... وفي هذا ما فيه من التعب والجهد ، فضلاً عما فيه من إملال القارئ وتشعب المقروء ... وصدق من قال : "الشيطان يكمن في التفاصيل". وقد كان (سقراط) في محاوراته يطلب من محاوريه تحديد التعريفات للمصطلحات والاتفاق عليها أولاً قبل الدخول في صلب المحاورة . والطريف أن الاختلاف على التعريفات كان يلتهم المحاورة كلها ؛ فتنتهي المحاورة قبل أن تبدأ . ومطلب سقراط هذا هو ما يسميه الفقهاء عندنا ب(تحرير محل النزاع) ، ولا أظن أننا قد حررنا بَعْدُ محل النزاع أو عرفناه ... هل هو أسباب ضآلة الإقبال على القراءة في العالم العربي ، أم هو قضية التكفير أم هو الموقف من الغرب ، أم هو المصداقية المفقودة عندنا ( أقصد عندي كما ألمح الأخ العزيز) ، وإن كانت هذه (المحلات) كلها قد ترتب بعضها على بعض ، أو أخذ بعضها برقاب بعض ... ولقد أحسن الأستاذ محمد فريد حين أشار إلى افتقاد العالم العربي إلى المتميزين في هذا الفن ، وجعل ذلك سبباً من الأسباب ، وليس السبب الرئيس .. ويبدو أن الكُتَّاب سامحهم الله قد أخذوا أدوار المخرجين السينمائيين فعللوا سطحية التأليف عند بعضهم بقول المخرجين المشهور الجمهور عايز كده) وكأنهم حكموا على عقول الناس بالسطحية فأعطوهم ما يكفيهم وما يريحهم هم ، فقذفت المطابع من بطونها آلاف الكتب ثم لم تجد عشرات القراء .
أما قضية التكفير التي طرحها الأخ الفاضل لإثراء النقاش كما يقول( وقد أحسن في ذلك وله الشكر) فأنا ما زلت عند رأيي من أنها قضية مفتعلة لا تصل حالاتها أبداً إلى أن تصبح تياراً عاماً نتوقف عنده أو ندرسه ، أو نجعله سبباً عاشراً لقلة القراءة أو تخلف أمتنا ، وإنما هي شواذ لا يُقاس عليها ، تأتي حين تأتي عرضاً من بعض المتحمسين الذين لم تكتمل عقولهم ولم تتأصل قواعدهم .. ولو اكتملت عقولهم أو تأصلت قواعدهم لعلموا أنهم ينشرون ما يريدون منعه ، ويُظهرون ما يريدون حجبه .. فأنا مثلاً لم أكن أعرف نصر حامد أبو زيد قبل الضجة التي عرفتني به ، وأظنه فرح بها لأنها عَرَّفَت الناس به أيضاً بعد أن كان مغموراً ... أعرف روائياً عربياً قامت ضجة مشابهة على بعض الروايات ومن ضمنها رواية له وكنت له محباً لسابق معرفة كانت بيني وبينه رغم خلافي المتجذر معه فاتصلت به لأطمئن عليه فإذا الرجل يحدثني فرحاً مسروراً وكأنه قد نال جائزة (نوبل) لمقاومته الإرهاب والتطرف والانغلاق وضيق الأفق والرجعية ، ونشره للتنوير والوعي والثقافة (رغم أن رواياته كلها لا تتعدى غرف النوم) وإذا هو ينسج قصصاً من خياله عن اتصالات هاتفية تهدده بالقتل والاغتيال ... وفزعت خوفاً على الرجل حتى قابلت صديقاً مشتركاً ، فسألته ، فضحك ملء فيه وقال : (يا علي .. كُلُّهُ أكل عيش) وتمر الأيام لأعرف بعد ذلك أن وزارة الثقافة في بلده اشترت رواياته التي كان يطبعها على نفقته الخاصة ويوزعها بيده كما قلت سابقاً ، ثم أعادت طبعها .. ونشرتها متحدية مشاعر الناس ، وما تزال رواياته على أرفف بعض المكتبات التابعة للوزارة وقد علاها الغبار لقلة الإقبال ... وكله أكل عيش .. وهذا ما أَلمَحْتُ إليه قديماً في قصيدة لي أتذكر منها هذه الأبيات :
هل سمعت المثقفين؟ هراءٌ مـا يقـولونه وزيف وخدعةْ
القديم الذي يريدون خَاوٍ والجديـد الـذي يُسَمُّون صرعةْ
هم أجادوا تأليف فكر جديد قـل أجادوا مع الصفاقة جَمْعَهْ
عـاد (دنلوب) فيهمو رافـع الرأس يُمَنِّيهمُو خلوداً ومنعةْ
أبشع العُهرِ أن تحول الخيانات تنويراً ويصبح الفكـر سِلعَةْ
وابحث عن (دنلوب ) في بعض كتب محمد قطب أو كتب محمود شاكر أو كتب محمد محمد حسين أو الكتب التي ترصد تاريخ التعليم المعاصر في عالمنا العربي لتعرف من هو يا صديقي .
وعتابي الشديد على أولئك الذين يعلون من شأن هؤلاء حين يرفعون عليهم القضايا في المحاكم فيعرفهم الناس ، ولو تجاهلوهم لما عُرفوا ، فهؤلاء يفرحون بالسمعة السيئة ما دامت تجلب لهم الشهرة والمجد الكاذب ، كسفاح النساء الأمريكي الذي أخبر المحققين أنه سعيد بشهرته التي حققها من وراء قتل النساء .
ثم هم بعد ذلك يستخدمون هذه القضايا أبشع استخدام فيذكون جمرها كلما خبا ويشعلون لهبها كلما انطفأ ، ويختلقون على القضية الواحدة ألف قضية ، وينفخون فيها من سخام أرواحهم المريضة لتظل أخبارهم متصدرة للصحف والمجلات (حتى لو كانت سباً وشتماً) فيوجهوا بذلك الرأي العام ويسيطروا عليه ويتلاعبوا به ؛ فيظن الناس أننا نعيش كهنوتاً كنسياً غربياً يجعل من محاكم التفتيش مقصلة مسلطة على رقاب المبدعين ... وهذا ما لم نعرفه في أغلب مراحل تاريخنا الإسلامي قديماً . أما حديثاً فقد عرفنا بعضه عندما تسلط على رقابنا في مجال الثقافة من جعل من أحفاد رهبان محاكم التفتيش قدوة له فنقل إلى عالمنا العربي مشكلات العالم الغربي ثم عالجها كما عالجها الهمج الهامج في الغرب ، ولو تأنى وتصبر وفكر وقدر لعلم أن الناس غير الناس والتربة غير التربة وأساليب الإصلاح هنا (إن أراد الإصلاح) غيرها هناك .. ولكن التقليد أعمى ، وحبك الشئ يعمي ويصم .. وصدق (مورفي) حين قال :" لا يفعل ما يفعله الأحمق إلا أحمق مثله" .. ولو عرف من يريد الإصلاح طبيعة الشريحة المستهدفة (العرب) ونفورهم من القهر والكبت والغصب منذ أن خلقهم الله في صحرائهم أحراراً يلتحفون الأرض ويفترشون السماء لا يرون لأحد عليهم فضلاً أو مِنَّة ، يأكلون هوام الأرض ودوابها ويصبرون على الجوع والعطش ولا يصبرون على جمر الذل ولهيب القهر .. يدخل أحدهم على ملكه أو أميره أو شيخه ويناديه باسمه واسم أبيه مجرداً فإن أراده على الدنية أو قسره على غير المرغوب فليس ثمة إلا السيف أو التصعلك في الفيافي والقفار كما قال الشنفرى :
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيـها لمـن خـاف القِـلى مُتَعَزَّلُ
فهم آنف الناس وأكرم الناس وأشرف الناس ، وما قامت بينهم الحروب الدامية والوقائع المشهورة إلا من أجل الحفاظ على أغلى ما كانوا يملكون .. ولم يكن يملكون آنذاك إلا الحرية ... وما اجتمعوا في تاريخهم إلا على الدين والعقيدة ، فلما تسلط (بنو مروان) سامحهم الله على رقابهم وجعلوا الدين مطية لهم كان ذلك أول دَنَسٍ في الثوب الناصع ، فرجع كلٌ إلى (الأنا) والقبيلة بعد أن كانت العقيدة والدين .. وظهر تبعاً لذلك الحجاج ومسلم بن عقبة وابن زياد .. وغيرهم ممن جعل السيف دليله والسياف حُجَّتَه .. وأصبح الأمر كما قال القائل :
ودعوى القوي كدعوى السباع من الناب والظفر برهانها
ثم لم يجتمعوا بعدها على إمام ...
أقول : لو عرف ذلك من يريد الإصلاح وفهم هذه الطبيعة التي ترفض مفاهيم التعصب ، وكبت الحريات ، ومطاردة النوايا ، وبخس قيم الآخر وتهديد كيانه ، لعدنا كما كنا خير الأمم ، ولما أصبحنا في ذيل القائمة كما نحن الآن .
وما شهدنا إلا بما علمنا ...
إذا كان لكل امرئ من اسمه نصيبٌ كما يقال ، فإن لكل موضوع من عنوانه نصيبٌ أيضاً .. وأظن أن الأخت الفاضلة فاطمة التميمي كانت تنظر من وراء الحجب إلى ما سيؤول إليه موضوعها الذي طرحته وعنونته ب (أزمة خانقة) .. فلقد أصبح الموضوع أزمةً خانقةً حقاً .. وإن كنت على يقين من أنها لم تكن تتمنى أن يصل النقاش إلى ما وصل إليه من العصبية والتشنج الذي أظن أنني أحمل بعض وزرهما دون قصد أو تعمد .
الأخ المتفائل الذي سعدت بقراءة عقله المبدع من خلال سطوره الخلاقة ظن أنني وجهت له أصابع الاتهام ، ثم صنفته ، ثم حكمت عليه .. فإن كان كلامي السابق يُفهم منه هذا المعنى فإني أبْرَأُ إلى الله ثم أبْرَأُ إليه ثم أبْرَأُ إلى الناس من هذا الفهم ؛ فأنا لم أتشرف بَعْدُ بمعرفته معرفة تؤهلني للحكم عليه ، وما كتبه في مشاركاته السابقة ينم عن عقل منظم ، وفهم متجاوز ، وبحث عن الحقيقة ، وحرقة صادقة على أمته قلما تُوجد في كثير من الكُتَّاب ... وإن كنتُ قد رأيت في بعض كلامه رأياً فإن هذا الرأي لا يقلل من فضله ، بل هو دليل على كمال بشريته واتساق إنسانيته ؛ فالإنسان الكامل هو الذي يصيب ويخطئ ويؤخذ من كلامه ويرد ... ثم إنني قبل هذا وذاك لست مغرماًً بإطلاق الأحكام على الناس أو تصنيفهم ؛ فلكلٍ وجهة هو مُوَلِّيهَا ، وللناس فيما يعشقون مذاهب ، والتصنيف أرضٌ زَلِقَة يمشي فيها الماشي كما يمشي الوجي الوَحِلُ .. ثم لا يأمن بعد ذلك من السقوط ... وأنا في غنى عن هذا كله .

أكثر ما يُرهقني نفسياً أن أجد نفسي مضطراً للحديث عن المقدِمات التي أدت إلى النتائج ، أو المُسَبِّبَات التي أدت إلى المُسَبَّبَات ، أو الجواهر التي أدت إلى الأعراض ؛ لأنني حينئذٍ أكون كمن يُنَقِّبُ عن الأرباع الثلاثة لجبل الثلج المختفية في الأرض ولا يكتفي بالنظر إلى الربع الظاهر فقط ... وفي هذا ما فيه من التعب والجهد ، فضلاً عما فيه من إملال القارئ وتشعب المقروء ... وصدق من قال : "الشيطان يكمن في التفاصيل". وقد كان (سقراط) في محاوراته يطلب من محاوريه تحديد التعريفات للمصطلحات والاتفاق عليها أولاً قبل الدخول في صلب المحاورة . والطريف أن الاختلاف على التعريفات كان يلتهم المحاورة كلها ؛ فتنتهي المحاورة قبل أن تبدأ . ومطلب سقراط هذا هو ما يسميه الفقهاء عندنا ب(تحرير محل النزاع) ، ولا أظن أننا قد حررنا بَعْدُ محل النزاع أو عرفناه ... هل هو أسباب ضآلة الإقبال على القراءة في العالم العربي ، أم هو قضية التكفير أم هو الموقف من الغرب ، أم هو المصداقية المفقودة عندنا ( أقصد عندي كما ألمح الأخ العزيز) ، وإن كانت هذه (المحلات) كلها قد ترتب بعضها على بعض ، أو أخذ بعضها برقاب بعض ... ولقد أحسن الأستاذ محمد فريد حين أشار إلى افتقاد العالم العربي إلى المتميزين في هذا الفن ، وجعل ذلك سبباً من الأسباب ، وليس السبب الرئيس .. ويبدو أن الكُتَّاب سامحهم الله قد أخذوا أدوار المخرجين السينمائيين فعللوا سطحية التأليف عند بعضهم بقول المخرجين المشهور الجمهور عايز كده) وكأنهم حكموا على عقول الناس بالسطحية فأعطوهم ما يكفيهم وما يريحهم هم ، فقذفت المطابع من بطونها آلاف الكتب ثم لم تجد عشرات القراء .
أما قضية التكفير التي طرحها الأخ الفاضل لإثراء النقاش كما يقول( وقد أحسن في ذلك وله الشكر) فأنا ما زلت عند رأيي من أنها قضية مفتعلة لا تصل حالاتها أبداً إلى أن تصبح تياراً عاماً نتوقف عنده أو ندرسه ، أو نجعله سبباً عاشراً لقلة القراءة أو تخلف أمتنا ، وإنما هي شواذ لا يُقاس عليها ، تأتي حين تأتي عرضاً من بعض المتحمسين الذين لم تكتمل عقولهم ولم تتأصل قواعدهم .. ولو اكتملت عقولهم أو تأصلت قواعدهم لعلموا أنهم ينشرون ما يريدون منعه ، ويُظهرون ما يريدون حجبه .. فأنا مثلاً لم أكن أعرف نصر حامد أبو زيد قبل الضجة التي عرفتني به ، وأظنه فرح بها لأنها عَرَّفَت الناس به أيضاً بعد أن كان مغموراً ... أعرف روائياً عربياً قامت ضجة مشابهة على بعض الروايات ومن ضمنها رواية له وكنت له محباً لسابق معرفة كانت بيني وبينه رغم خلافي المتجذر معه فاتصلت به لأطمئن عليه فإذا الرجل يحدثني فرحاً مسروراً وكأنه قد نال جائزة (نوبل) لمقاومته الإرهاب والتطرف والانغلاق وضيق الأفق والرجعية ، ونشره للتنوير والوعي والثقافة (رغم أن رواياته كلها لا تتعدى غرف النوم) وإذا هو ينسج قصصاً من خياله عن اتصالات هاتفية تهدده بالقتل والاغتيال ... وفزعت خوفاً على الرجل حتى قابلت صديقاً مشتركاً ، فسألته ، فضحك ملء فيه وقال : (يا علي .. كُلُّهُ أكل عيش) وتمر الأيام لأعرف بعد ذلك أن وزارة الثقافة في بلده اشترت رواياته التي كان يطبعها على نفقته الخاصة ويوزعها بيده كما قلت سابقاً ، ثم أعادت طبعها .. ونشرتها متحدية مشاعر الناس ، وما تزال رواياته على أرفف بعض المكتبات التابعة للوزارة وقد علاها الغبار لقلة الإقبال ... وكله أكل عيش .. وهذا ما أَلمَحْتُ إليه قديماً في قصيدة لي أتذكر منها هذه الأبيات :
هل سمعت المثقفين؟ هراءٌ مـا يقـولونه وزيف وخدعةْ
القديم الذي يريدون خَاوٍ والجديـد الـذي يُسَمُّون صرعةْ
هم أجادوا تأليف فكر جديد قـل أجادوا مع الصفاقة جَمْعَهْ
عـاد (دنلوب) فيهمو رافـع الرأس يُمَنِّيهمُو خلوداً ومنعةْ
أبشع العُهرِ أن تحول الخيانات تنويراً ويصبح الفكـر سِلعَةْ
وابحث عن (دنلوب ) في بعض كتب محمد قطب أو كتب محمود شاكر أو كتب محمد محمد حسين أو الكتب التي ترصد تاريخ التعليم المعاصر في عالمنا العربي لتعرف من هو يا صديقي .
وعتابي الشديد على أولئك الذين يعلون من شأن هؤلاء حين يرفعون عليهم القضايا في المحاكم فيعرفهم الناس ، ولو تجاهلوهم لما عُرفوا ، فهؤلاء يفرحون بالسمعة السيئة ما دامت تجلب لهم الشهرة والمجد الكاذب ، كسفاح النساء الأمريكي الذي أخبر المحققين أنه سعيد بشهرته التي حققها من وراء قتل النساء .
ثم هم بعد ذلك يستخدمون هذه القضايا أبشع استخدام فيذكون جمرها كلما خبا ويشعلون لهبها كلما انطفأ ، ويختلقون على القضية الواحدة ألف قضية ، وينفخون فيها من سخام أرواحهم المريضة لتظل أخبارهم متصدرة للصحف والمجلات (حتى لو كانت سباً وشتماً) فيوجهوا بذلك الرأي العام ويسيطروا عليه ويتلاعبوا به ؛ فيظن الناس أننا نعيش كهنوتاً كنسياً غربياً يجعل من محاكم التفتيش مقصلة مسلطة على رقاب المبدعين ... وهذا ما لم نعرفه في أغلب مراحل تاريخنا الإسلامي قديماً . أما حديثاً فقد عرفنا بعضه عندما تسلط على رقابنا في مجال الثقافة من جعل من أحفاد رهبان محاكم التفتيش قدوة له فنقل إلى عالمنا العربي مشكلات العالم الغربي ثم عالجها كما عالجها الهمج الهامج في الغرب ، ولو تأنى وتصبر وفكر وقدر لعلم أن الناس غير الناس والتربة غير التربة وأساليب الإصلاح هنا (إن أراد الإصلاح) غيرها هناك .. ولكن التقليد أعمى ، وحبك الشئ يعمي ويصم .. وصدق (مورفي) حين قال :" لا يفعل ما يفعله الأحمق إلا أحمق مثله" .. ولو عرف من يريد الإصلاح طبيعة الشريحة المستهدفة (العرب) ونفورهم من القهر والكبت والغصب منذ أن خلقهم الله في صحرائهم أحراراً يلتحفون الأرض ويفترشون السماء لا يرون لأحد عليهم فضلاً أو مِنَّة ، يأكلون هوام الأرض ودوابها ويصبرون على الجوع والعطش ولا يصبرون على جمر الذل ولهيب القهر .. يدخل أحدهم على ملكه أو أميره أو شيخه ويناديه باسمه واسم أبيه مجرداً فإن أراده على الدنية أو قسره على غير المرغوب فليس ثمة إلا السيف أو التصعلك في الفيافي والقفار كما قال الشنفرى :
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيـها لمـن خـاف القِـلى مُتَعَزَّلُ
فهم آنف الناس وأكرم الناس وأشرف الناس ، وما قامت بينهم الحروب الدامية والوقائع المشهورة إلا من أجل الحفاظ على أغلى ما كانوا يملكون .. ولم يكن يملكون آنذاك إلا الحرية ... وما اجتمعوا في تاريخهم إلا على الدين والعقيدة ، فلما تسلط (بنو مروان) سامحهم الله على رقابهم وجعلوا الدين مطية لهم كان ذلك أول دَنَسٍ في الثوب الناصع ، فرجع كلٌ إلى (الأنا) والقبيلة بعد أن كانت العقيدة والدين .. وظهر تبعاً لذلك الحجاج ومسلم بن عقبة وابن زياد .. وغيرهم ممن جعل السيف دليله والسياف حُجَّتَه .. وأصبح الأمر كما قال القائل :
ودعوى القوي كدعوى السباع من الناب والظفر برهانها
ثم لم يجتمعوا بعدها على إمام ...
أقول : لو عرف ذلك من يريد الإصلاح وفهم هذه الطبيعة التي ترفض مفاهيم التعصب ، وكبت الحريات ، ومطاردة النوايا ، وبخس قيم الآخر وتهديد كيانه ، لعدنا كما كنا خير الأمم ، ولما أصبحنا في ذيل القائمة كما نحن الآن .
ولقد ذكرني كلامك عن الملابس والمناديل وأكياس القمامة والأدوية والعقاقير بكلامٍ قديمٍ لربة الصون والعفاف !! صاحبة السيرة العطرة !! والسمعة الزكية !! المخرجة الفاضلة !! (إيناس الدغيدي) حيث سمعتها في بعض صالونات القاهرة الثقافية ، وكانت معها شبيهتها أيضاً ربة الصون والعفاف !! صاحبة السيرة العطرة !! والسمعة الزكية !! (هالة سرحان) .. سمعتها تقول : " إحنا بنكره أوروبا ليه ؟ ما هُمَّا اللي بيصنعولنا الطيارات والعربيات والميكياجات ...!!!" وضجت القاعة بالضحك ... والإعلام يا صديقي لا يركز بالطبع على هذا الكلام(العبيط) لربة الصون والعفاف !! بل يركز على كلمة قالها شيخ في ستينيات القرن العشرين عندما قيل أنه قال : إن الله خلق لنا الكفار ليصنعوا لنا أدوات الرفاهية وسخرهم لخدمتنا ... وسواء صحت هذه الكلمة أم لا فإن الإعلام الذي يسيطر عليه (حجاج السفارات) ـ وما زلت أصر على هذا المصطلح ـ يضخم الكلمة و(يرش) فوقها البهارات ويُمَلِّحُهَا ويتهم علماء الدين بالكسل والتنبلة والبطالة واحتقار الناس .
أما ما ذكرتَ عن المصداقية فالله وحده يعلم أن التهويل ليس من خُلقي وأن الكذب ليس من طباعي ، وما ذكرتُه سابقاً ليس سوى ما عاينته بعينين اثنتين وليس بعين واحدة !! أو قرأته ووضح فيه الدليل عندي ... ولقد عرفت شخصياً من هؤلاء الكثير وعرفت عنهم ما يزكم الأنوف وتشمئز له النفوس ... وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين .. وأسال الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة وألا يُدخلنا في تجربة وأن يهدينا إلى ما اختلف فيه من الحق .

هامش :
كنت قد سطرت الكلام السابق ودخلت المنتدى لأضيفه فوجدت أن الأخ العزيز قد وضع رابطاً لمكتبة من المكتبات يستدل به على كثرة مبيعات كتب من سميتهم أنا بحجاج السفارات وعلى إقبال الناس على قراءة هذه الكتب ورغم أن هذا الاستدلال غريب لأن اختلاف المكتبات واختلاف روادها لا يصلح دليلاً على كثرة المبيعات أو ارتفاع أسهم بعض المؤلفين فأنت لو أخذت مثلاً مكتبة الرشد والعبيكان وجرير في الرياض وعملت استبياناً لتعرف من خلاله أي الكتب أكثر مبيعاً في هذه المكتبات لما اتفقت النتيجة أبداً ولاختلفت المبيعات تبعاً لاختلاف توجهات المكتبات ، وأنا إنما ذكرت أن مكتبة الشروق المصرية ذكرت في دراسة لها عن معرض الكتاب أن الكتب الدينية هي أكثر الكتب مبيعاً فيه في العام الماضي ... فَحَصَرَتْ محصوراً في مكان واحد وإن اختلفت اتجاهات المحصور ثم أجرت عليه الدراسة ونظرت إلى المشتري ماذا يشتري فوجدت أن الغالب على شرائه هي الكتب الدينية ... ورغم هذا فتحت الرابط الذي أرسله الأخ الفاضل فرأيت مربعاً أقصى اليمين أعلى الصفحة بعنوان (الأكثر مبيعاً) ففتحته وقرأت عناوين الكتب الأكثر مبيعاً فإذا على رأسها كتاب (شرح صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري) وهذا الكتاب ليس لفؤاد زكريا أو الطيب تيزيني أو أركون بل هو للشيخ الألباني رحمه الله ...

أخي الفاضل :
إن صدقتني ولم تتهم مصداقيتي فاعلم أنني سعيد بك وبأمثالك ممن يبحثون عن الحق وينقبون عن الحقيقة ولا يقبلون القوالب الجاهزة و(المسكوكات) المُعَدَّة ، وأتمنى أن تكون معنا ونكون معك في هذه المنتدى المبارك الذي نرجو له الصعود والنجاح وأداء الرسالة المنوطة به ... مع العلم أنني لست مشرفاً ولا إدارياً فيه أو في أي منتدى آخر ، ولا أملك فيه أكثر مما تملك أنت .. الكتابة أو اقتراح موضوع أو فكرة تطوير .. وهذا كله متاح للجميع ... وإن كنتَ قد قرأتَ في كلامي ما ظننته استهانة أو هجوماً أو تقليلاً من شأنك فلن يمنعني من الاعتذار لك على رؤوس الأشهاد في هذا المنتدى مانع ؛ ففضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ، والرجوع إلى الحق فضيلة ، ومثلك يشرف بهم هذا المنتدى .. فلا يصدنك كلامٌ قيل أو رأي طُرح عن المشاركة أو المساهمة فيما ينفع أمتك ويرقى بمجتمعك فإن هذا واجبك الذي لا يحل لك النكوص عنه ... بارك الله فيك وأكثر من أمثالك .