تزعزت الروابط الاجتماعية ، وتفككت الأواصر الأسرية ، وسرى تيار البرودة ليبدد أجواء المشاعر الأسرية الدافئة..لا يتلاقون إلا في المصائب أو المناسبات..لا يتقاربون إلا في الخطوب والملمات.. وربما لا يتعارفون إلا مصادفة كما يتلاقى الغرباء على قارعة الطريق..
وهناك.. في أروقة الغرف المنفصلة خلف الجدران المعزولة.. يركن كلٌ إلى عالمه الخاص ، وقد وجد أكثرهم بغيته في أجواء الشاشة المضيئة..عالم خاص قد يجد كل منهم في كلماته المتراصة وحروفه الرقمية وشعاعاته المنعكسة ما يعوضه عن جفاء العلاقات ، وتباعد المسافات ، وتسرب دفء المودة من البيوت .
وهناك قد يلتمس (هو) أو تبحث (هي) عن أصداء الحب المفقود وخيالات الأسرة السعيدة وحلم العش الهادئ.. حتى ولو كان الطريق تعارفاً عابراً عبر حروف الشاشة المضيئة..لتنشأ ظاهرة جديدة تعرف بظاهرة الزواج الإلكتروني..
الزواج الإلكتروني: ظاهرة جديدة يقوم فيها الباحث عن شريك الحياة بتزويد الكمبيوتر بمواصفات شريك الحياة ، ثم يقوم الكمبيوتر بترشيح عروس أو عريس المستقبل ، أو قد يرسل الشخص معلوماته ومواصفاته الشخصية لأحد المواقع المتخصصة في الشبكة العنكبوتية ويختار أو تختار الشخص المناسب..
وقد شهدت هذه الطريقة إقبالاً كبيراً من الشباب والفتيات الباحثين والباحثات عن شريك الحياة . حتى أن إحدى الإحصائيات السريعة لظاهرة الزواج الإلكتروني من خلال موقع واحد يقدم هذه الخدمة ، أظهرت أن عدد المتقدمات بطلبات زواج حوالي 150 ألف فتاة بحسب ما أعلن مدير الموقع المختص ، والذي أوضح أن عدد المشتركات في موقعه تجاوزن الثلاثين ألف مشتركة.. كما تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الزائرين لهذه المواقع شهرياً يزيد عن العشرة آلاف زائر.. في حين أوضحت دراسة أمريكية أن حوالي 29 مليون أمريكي بمعدل اثنين من كل خمسة عزاب استخدموا خدمات المواعدة للزواج على الانترنت العام الماضي فيما تتوقع استمرار نمو هذا السوق خلال الخمس سنوات القادمة.
وقد رأى البعض في هذه الوسيلة حلاً مناسباً لمشكلات العنوسة والعزوبية وأنها تتخطى مشكلات غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج ، كما أنها تمنح فرصة للشباب والفتيات للتعارف بعيداً عن ضغوط الأهل ورقابتهم ، ومن جهة أخرى فإنها تعطي الأمل مجدداً للأرامل والمطلقات للبحث عن شريك مناسب ، خاصة أن الكمبيوتر أصبح عصب الحياة ، كما أنه يمنح المشترك في هذه الخدمة التحدث بحرية عن نفسه وتوضيح ملامح شخصيته ، وربما التواصل مع الطرف الآخر بدون ضوابط أو ضغوط مما قد يكون لبنة أولى في تعارف على مستوى آخر ، فما المانع من استخدام الكمبيوتر للبحث عن شريك الحياة في ظل مجتمعات افتقدت لوسائل التعارف الاجتماعي الصحيح..وتفككت فيها أواصر العلاقات الاجتماعية الحميمة..؟؟
لقد تباينت الآراء ما بين مؤيد ومعارض لهذا الأسلوب ، ففي حين حقق هذا الزواج انتشاراً واسعاً في دولة كالهند على سبيل المثال ، حيث أشارت الإحصائيات إلى زواج مليون شاب وفتاة عن طريق الإنترنت في عام واحد 2006 حيث مكنهم هذا النوع من الزواج من تخطي الحواجز الدينية والطائفية والطبقية وفروق العادات والتقاليد . حذرت وزارة الخارجية في دولة كالصين من المخاطر التي يتعرض لها النساء من جراء البحث عن زوج المستقبل عن طريق الإنترنت ، وما يسببه من إحباطات نتيجة عدم توافر قدر من المصداقية في تقديم المعلومات عن الطرف الآخر ، في حين أعد عددٌ من نواب مجلس الشعب بجمهورية مصر العربية مشروعاً عاجلاً لتعديل قانون الأحوال الشخصية بإدخال نص جديد يحظر على الرجال والفتيات الزواج عبر الإنترنت لأنه -على حد وصفهم- زواج مشبوه تشوبه الكثير من المخالفات الشرعية والاجتماعية ، وفي الوقت ذاته أثبتت نتائج التصويت بين الفتيات العربيات في أحد المواقع المتخصصة ارتفاع نسبة الرفض لهذا الأسلوب عن 70 % في حين تدنت نسبة الموافقة إلى 4% فقط..
وإذا كان هذا الأسلوب قد لقي إقبالاً من البعض فثمة الكثير من الموانع والمحاذير لاستخدامه يؤكدها البعض الآخر.. ومن ذلك..
- عدم وجود ضمانات كافية لمصداقية المعلومات التي يدلي بها كل طرف عن نفسه ، خاصة أننا نتقن الحديث عن إيجابياتنا أما السلبيات فليس من السهل على كل فرد توضيحها أو الحديث عنها بصراحة ؛ وبالتالي فإن التعارف عن طريق الكمبيوتر قد يخلق صورة خيالية افتراضية لكل طرف لدى الطرف الآخر ..حتى ولو حدث بينهما نوع من التواصل أو المحادثة من خلاله..
- أن الزواج بهذه الطريقة يتحول إلى صورة مادية ميكانيكية خاضعة لشروط ومواصفات مسبقة يجعله أقرب لاتفاق تجاري منه إلى ميثاق اجتماعي قوامه المودة والرحمة والتواصل الإنساني..
- أن هناك الكثير من العادات والتقاليد التي تمنع هذا النوع من التعارف ، والذي قد ينظر معه -وبخاصة للفتاة- نظرة منقوصة ودونية ؛ نظراً لأنها من أقدمت على التعريف بنفسها والإدلاء ببياناتها في مكان لا يتمتع بالخصوصية ، وجعلت من ذاتها أداة خاضعة للعرض والطلب.. بل إن الكثير من الفتيات ممن يلجأن لهذه الطريقة قد لا يمتلكن الجرأة في مصارحة الأسرة بهذه الخطوة..
وفي النهاية لابد من نظرة جديدة لتقييم ظاهرة الزواج عبر الإنترنت ، فتقدير نجاح هذه الطريقة بما حققته من حالات للزواج ليس بالتقييم الصحيح ، ولكن ينبغي تقييمه بحسب عدد حالات الزواج الناجحة التي تحققت من خلاله ، فقد يبدو الزواج الإلكتروني حلاً مؤقتاً لمشكلات العنوسة والعزوبية من جهة لكنه قد يفاقم من ظاهرة الطلاق والفشل الاجتماعي من جهة أخرى ، كما أن انتشار هذا النوع من الزواج يشير بصورة أكيدة إلى وجود خلل اجتماعي في نسيج المجتمع والعلاقات الإنسانية يدفع الشباب لهذا النوع من التعارف الذي يبدو في كثير من أحواله منقوصاً ومشوهاً وافتراضياً خيالياً يبعد قليلاً أو كثيراً عن أرض الواقع..
وإذا كنا نرفض هذا النوع من التعارف ، فهل هيأنا لبناتنا وشبابنا الوسيلة الأنسب التي تضمن التعارف الصحيح ، وتوفر قدراً من الخصوصية ، وتعين على تجاوز الشباب لواحدة من أهم خطوات الحياة خطورة وأهمية وهي اختيار شريك الحياة؟؟
سؤال يبحث عن إجابة..
التعليقات
الدنيا تتطور .. وتتطور معها الأساليب..!
بغض النظر عن رأيي الشخصي ..
لكن لابد أن نعي أن العالم يتطور ويتغير .. وتبعا لذلك تتغير الأساليب والطرق ،،
ففي السابق كانت الأم والأخت والخالة والعمة هي من يخطب للإبن ، ثم تطور الأمر لتوكل هذه المهمة إلى ( خطّابة ) قد لا تعرف عن الشاب والفتاة التي تربط بينهما إلا الإسم وشيء من الصفات ورقم الهاتف فقط ..
أما الآن فالخاطب الإلكتروني .. حل بديلا عنها لا سيما أنه يؤدي نفس الدور ( نظرا لعدم أمانة الخاطبات البشريات :) ) إلا أنه = الخاطب الإليكتروني = يتميز عليهن بعدم الجشع ..!
في نظري أن الخاطب الإلكتروني أفضل بكثير من ( الخاطبة البشرية :) ) لأنه يعطي معلومات مجردة من نفس الشخص بعيدا عن زيادات الخاطبة !
( فأن يكذب علي شخص واحد خير من أن يكذب علي الإثنان !! )
وأتوقع للخاطب الإلكتروني مستقبل زاهر .. نظرا للأسباب المذكورة آنفا ..
ما سبق : مجرد رأي = رأي مجرد ..
شكرا لك أستاذة شروق .. على طرحك المميز دائما ..