قال صلّى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان " رواه البخاري ومسلم .
قال تعالى:{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} (الحج:27).
والتأذين رفع الصوت بالإعلام بشيء، ومنه سمي الأذان، لِمَا فيه من إعلام بدخول وقت الصلاة، و { الناس } يعم كل البشر.
واذا استعرضنا أركان الإسلام بدءًا بالشهادة ، ثم الصلاة ، فالزكاة ، فصوم رمضان حتى الحج ، نجد أن كل فرض من هذه الفروض يتميز بخاصية تميزه عن غيره سواء فيما يتصل بالزمن أو المكان .
الشهادة هى نية بالقلب واقرار باللسان ، وهى نقطة فاصلة بين حالتين : ماقبلها وما بعدها، هى اعلان بدء اعتناق عقيدة التوحيد ، هى المسلمة الأولى التى تشيد عليها بنية العقيدة كلها يتحقق بها الإقرار بطبيعة العلاقة بين المرء وخالقه ، اقرار بالعبودية ، عبودية كل الخلائق وعلى رأسها البشر لإله واحد أحد ، فرد صمد ، لاشريك له ولا ولد ، متفرد فى صفاته منزه عن الشبيه ، مهيمن على الكون ، مسيرًا له وفق مشيئته.
فإذا أقر المرء بأن لاإله إلا الله ، وأن محمدً رسول الله وجب عليه اتباع تعليماته التى أوحى بها لنبيه قرءانًا محفوظًا ، وسنة نبوية هى بمثابة المذكرة التفسيرية لهذا القرآن الكريم.
للصلاة في الإسلام أهمية عظيمة، وهى الركن الثاني من أركان الإسلام. كما أنها أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة؛ فإن قُبلت قُبل سائر العمل، وإن رُدَّت رُدَّ. من حفظها حفظ دينه، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع. وقدر الإسلام في قلب الإنسان كقدر الصلاة في قلبه، وحظه في الإسلام على قدر حظه من الصلاة. أن الله عز وجل أمر بالمحافظة عليها في السفر، والحضر، والسلم، والحرب، وفي حال الصحة، والمرض. ومواقيتها محددة حسب موقع مكان من يؤديها من الشمس ، ولذلك تتفاوت مواقيتها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب على مدار اليوم ، وكل يؤديها حسب موقعه لتظل صلوات المؤمنين متتابعة ومتسلسلة باستمرار . والصلاة محلية الطابع ، اذ يجب على المسلم أن يؤديها فور سماعه لآذان المسجد القريب من داره . واذا اعتبرنا أن أداءها فى المسجد واجبة كما يذهب فريق من العلماء ، فإن هذا المسجد هو ذلك الذى سمع منه الآذان ، فهى عبادة تؤدى فى محلها متى حان وقتها .
أما الزكاة فهي واحدة من أركان الإسلام. وهى في اللغة العربية تعني البركة والطهارة والنماء والصلاح. وسميت الزكاة لأنها بحسب المعتقد الإسلامي تزيد في المال الذي أخرجت منه، وتقيه الآفات، كما قال ابن تيمية: نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو، يَطْهُر ويزيد في المعنى.. و هي مقدار مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة، ويطلق لفظ الزكاة على نفس الحصة المخرجة من المال المزكى. والزكاة الشرعية قد تسمى في لغة القرآن والسنة صدقة كما قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم) (التوبة 103) وفي الحديث الصحيح قال صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: (أعْلِمْهُم أن اللّه افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.) أخرجه الجماعة.
وهى تختلف بقدر تحقق نصابها لدى الفرد ومدى مرور الحول على هذا النصاب ، وطبيعى أن لكل نصابه ولكل أيضا وقت محدد يتحقق به اخراج زكاته فيه . فهى رغم معناها التكافلى الذى يقل نظيره فى الشرائع الأخرى يختلف ميقاتها من فرد الى آخر ، واخراجه على المستحقين لها من أهل البلد المقيم به الشخص أفضل.
وصوم رمضان قد تختلف بدايته ونهايته من بلد اسلامى لبلد آخر وكذلك بداية الامساك عن الطعام ، ووقت الإفطار يختلف حسب موقع المكان الذى يوجد به المسلم وفقا لفروق التوقيت بين بلد وآخر .
أما الحج فهو الفريضة الوحيدة التى لا تصح الا فى أيام معلومات وأماكن بعينها. يزيد عليها بالنسبة للرجال ملابس محددة وموحدة ، وبلون واحد ، وبشكل واحد يستوى فيه الجميع ، القوقازى ، والآرى ، العربى والإفريقى ، الأسيوى والأمريكى الغنى والفقير ، القوى والضعيف ، الأبيض والأسود والأصفر ليتحد الجميع فى الشكل وفى المضمون ، فى الجوهر وفى المخبر ،فالناس يقصدون هذا البيت من كل حَدَب وصوب ؛ فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن شوقًا إلى رؤية الكعبة والطواف حولها، فالناس يقصدونها من سائر جهات الأرض . { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } وجهة المسلمين واحدة قلبا وفكرًا وسلوكًا سواء فى الصعيد الطيب فى عرفات ، أو فى المشعر الحرام فى مزدلفة ، ثم فى رمى الجمرات والطواف والسعى ، بقعة أرضية واحدة تضمهم ودائرة ايمانية تجمعهم ، ومناسك فى صعيد واحد يؤدونها ، متوحدون رغم تباين ألوانهم وأعراقهم ، متقاربون رغم تباعد أوطانهم التى وفدوا منها ، تعدد هو اثراء للوحدة ، ألوان وأجناس وشرائح اجتماعية مختلفة ، وثقافات وألسنة متباينة ، يوحدها جميعا المكان الذى يشهد جمعهم بمكانته ، وتقر عقولهم وجنانهم بقدسيته . ووحدة زمانية ومكانية تهفوا لها جنان المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها ، وتحن لها ، وتتطلع الى منابعها الروحية عقولهم لتغترف منها شحنات الإيمان وتقتبس منها نفحات خير للدنيا والآخرة . فما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينزل الله تبارك و تعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول : انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي و لم يروا عذابي ، فلم ير أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة .
فيالها من وحدة يثريها التعدد ويغنيها التنوع ، ويقويها التكامل والتضافر والتكافل ، وياله من تعدد يسعى الى التوحد فى اطار عقيدة واحدة ، ورب واحد ، وشريعة واحدة خاتمة مصدقة لما قبلها من الشرائع وناسخة لها . فهل نقتبس هذه الدلالات ونعليها ونبرزها حية نابضة ، قلبا وقالبًا ، عقيدة ترسخ فى القلوب ، وأفعالا بالجوارح تنبع من فيضها وفكرًا جادًا ، خلقا قويما ، ومنهجًا سليمًا ، ونفوس معطاءة ، وسعى حثيث لرضاء الله ، وسعيًا لرضوانه .