كيف يعالج الحب السرطان (1)

كتاب : الحب والطب ومعجزات الشفاء .
تأليف: بيرني سيجل.

ترجمة : عزت عبد الرحمن شعلان
الناشر : دار الشروق.

كان بيرني سيجل قد قضى عشر سنوات في ممارسة الجراحة ، وكان قد تدرب على اعتبار أن مهمته كلها هي أن يفعل أشياء للناس بطريقة آلية لجعلهم أحسن .. وهذا مقياس نجاح الطبيب!!
ولكنه سئم من هذا العمل الميكانيكي ، وأراد أن يساعد الناس بطريقة أكثر إنسانية ، وبدأ ينظر إلى واقعه الضاغط : فالجميع في غرفة العمليات يلقي العبء على الجراح ليستريح ، وهو يعمل ست عشرة ساعة في اليوم ، ويظل " تحت الطلب " حين يكون مع أسرته ، وربما بقي المريض أياماً في غيبوبة ، ثم لا يموت إلا في منتصف الليل بعد أن يكون " سيجل " قد أوى إلى فراشه !!
وقد بلغ الحال به أن يفكر في تغيير مهنته : فكَّرَ في أن يصبح مدرساً أو طبيباً بيطرياً - لأن الطبيب البيطري قادر على أن يعانق مرضاه!!- ولكنه اكتشف أن أغلب خياراتِه ذات علاقةٍ بالناس، وأنه يبحث عن الناسِ طيلةَ الوقت؛ ففكر في الانتقال إلى " الطب النفسي " حيث يستطيع مساعدة الناس دون قطع أجسامهم. ولكن أحد مرضاه ساعده على إدراك أنه قادر على أن يكون سعيداً دون أن يغير مهنته . لأن هذا المريض بالسرطان - وكان عازف بيانو على المسرح - وجد نفسه أكثر سعادة حين يكتفي بالعزف على البيانو في بيته. كان لا يزال يعمل ما أحبه ، ولكنه غيَّر المجال لكي يناسب احتياجاته الخاصة.
بدأ سيجل في تغيير علاقته بمرضاه ، فأزال المكتب الذي كان يحجز بينه وبين مريضه بحيث يتواجهان على قدر المساواة. وشجع مرضاه على مناداته باسمه الأول " بيرني " .. وارتكب خطيئة الطب الرئيسية : أن يشارك مرضاه ..
ولأول مرة بدأ يفهم تماماً كيف تكون الحياة مع السرطان.
وبدأ سيجل يستمد قوته من مرضاه ؛ كان يحتضنهم متصوراً في البداية أنهم في حاجة إلى طمأنته ، ولكنه وجد فيما بعد أنه هو المحتاج إلى أن يستمد قوته من صبرهم . وأخذ يدرك أن هناك جانباً من الطب أهم من كل الإجراءات التقنية ، وأن مساعدته يمكن أن تمتد حتى إلى من يموتون وإلى خلفائهم الأحياء : " انتهيت إلى أن السبب الحقيقي الوحيد لبقائي في هذا العمل هو أن أقدم للناس صداقة يمكنهم أن يشعروا بها حين يكونون أحوج إليها " .
في يونيو 1978م تغيرت مزاولته للطب بحضوره ندوة أخصائي السرطان أ. كارل سيمونتون والأخصائية النفسية ستيفاني ماثيوز وكانا أول من استخدما أساليب التصور في مكافحة السرطان - في العالم الغربي- وقد أجريا دراسة على 159 من مرضى سرطان في المرحلة المتأخرة كان من نتائجها : شفاء 19% من أوائل مرضاهم الذين لم يكن من المتوقع أن يعيش أحد منهم أكثر من عام شفاء تاماً، وأخذ المرض في الانحسار عند 22% من الآخرين. أما الذي ماتوا فقد ضاعفوا في المتوسط من الفترة التي كانت متوقعةً لبقائهم أحياء.
تعلم منهما التأمل ، وبدأ في ممارسته بعمق ، واهتدى من خلالهإلى أن بقاءه في مهنته أكثر خدمةً لمبادئه ، وأنه قادر على أن يمارس ما أسمته زوجته " طباً دينياً " ، بحيث يكون في المستشفى نموذجاً يُحتَذَى للجميع ، لأنه قادر على أن يصل فيها إلى أي مكان لا يستطيع رجل الدين أو المعالج النفسي الوصول إليه.
أعاد سيجل النظر إلى منهجه الطبي ، فوجد أن طريقة جمع الإحصاءات ليست هي الطريقة المثلى في التعامل مع الإنسان ، فلو أن " معجزةً " وقعت مرةً واحدةً - مثل الاختفاء الدائم للسرطان - فالأمر صحيح ، ولا ينبغي استبعاده باعتباره ضربةَ حظ . وإذا استطاع مريضٌ واحد أن يفعلها فليس هناك سببٌ يمنع الآخرين من القدرة عليه. وهو يقول:" أُدرِكُ أن الطب كان يدرس حالات فشله ، بينما كان يجب أن يتعلم من حالات نجاحه. وعلينا أن نوجه مزيداً من اهتمامنا إلى المرضى المتميزين الذين تتحسن حالتهم على غير توقع، بدلاً من أن نحملق في كآبة إلى كل الذين يموتون بالنمط المعتاد".
وجد سيجل أن الإحصاءات كانت قد أدت إلى اعوجاج تفكيره ، وكان قد أجرى جراحة لمريض بسرطان القولون، وأخبر أسرته أن الباقي من عمره ستة شهور على الأكثر ، ولكن المريض ظل يزوره لمراجعة مشكلات بسيطة لا تتعلق بالسرطان ، وكان يرفض في كل مرة متابعة علاج سرطانه .. وظل متمتعاً بالصحة أكثر من عشر سنين - حتى وقت تأليف الكتاب- !!
وفي الطرف الآخر جاءه مستشار مالي مصاباً بسرطان الكبد ، وقد أخبره طبيبه بفرص بقائه - تبعاً للإحصاءات - فرفض أن يناضل من أجل البقاء ، وقال : " لقد أنفقت حياتي في وضع التنبؤات القائمة على الإحصاءات ، والإحصاءات تخبرني أنه من المفروض أن أموت . فلو أنني لم أمت لأصبحت حياتي كلها بغير معنى " . وعاد إلى بيته ومات.
ركز سيجل على ما يسميه الأطباء " الحالات النادرة " وهم أولئك المرضى الذين يُخلِفُون ظنون الأطباء ويعيشون حياة أطول بكثير من المتوقع لهم ، وحين ركز على هذه الحالات أصبح يسمع عنها الكثير حيثما ذهب.
أنشأ هو وزوجته - وكانت ممرضة في عيادته - جماعة علاجية تمسى " مرضى السرطان المتميزين " لمساعدة الناس على استثمار كل وسائلهم ضد المرض ، وأرسل خطاباً إلى مائة مريض ، وظن أن الجميع سيبادر إلى الحضور ، ولكن لم يأته إلا اثنا عشر مريضاً. وحينها علم أن المرضى ثلاثة أنواع :

النوع الأول:
15 - 20% من المرضى يرغبون في الموت بطريقة لا شعورية أو شعورية. وهم يرحبون بالأمراض الخطيرة هرباً من مشكلاتهم ، ولا يظهرون أي توتر حين يكتشفون مرضهم، ويقاومون محاولات الشفاء.
كان أحد زملاء سيجل يناقش مريضاً بسرطان القولون في أواسط العمر ، وأبدى مقاومةً لكل وسائل العلاج ، فقال له سيجل : لا أظن أنك تريد حقاً أن تعيش.
غضبت زوجة المريض ، ولكنه قال لها : " انتظري دقيقة ، إنه على صواب تماماً . إن والدي في التسعين ، وهو شيخ في دار تمريض . ولست أحب أبداً أن أكون مثل والدي . ولذلك ؛ فمن الصواب تماماً لو أنني مت الآن بالسرطان".
" إن واجبنا أن ندرك الألم الذي يعانيه أغلب الناس ، ثم نعيد تحديد أهدافنا" .

النوع الثاني :
أغلب المرضى 60 - 70 % في المجال الأوسط : يتصرفون بالطريقة التي يظنون أن الطبيب يريدها منهم ، أملاً في أن يقوم الطبيب بالعمل كله. ولكنهم غير راغبين في تغيير حياتهم بصورة جذرية ليشفوا من المرض ، ولهذا فهم يفضلون الجراحة على العمل بنشاط لتغيير الحال.

النوع الثالث :
هناك 15 - 20 % مرضى غير عاديين ، يرفضون تمثيل دور الضحية ، ويعلمون أنفسهم ، ويصبحون أخصائيين في رعاية أنفسهم ، وهم يسألون الطبيب لأنهم يريدون فهم علاجهم والمشاركة فيه ، وهو يطلبون الكرامة ، والتحكم في النفس .
ولابد أن يدرك الأطباء أن المرضى غير المتعاونين مع الطبيب ، والذين يتساءلون دائماً عما يطرح عليه من علاج هم الذين يرجح شفاؤهم أكثر من غيرهم.
وقد أشار عدد من البحوث العلمية إلى أن المريضات اللاتي يظهرن مستويات عليا من القلق والاكتئاب والعداء عشن أطول من اللاتي أظهرن حزناً قليلاً. وأظهر بحث عن معدل الحياة لعشر سنوات بين مرضى بالسرطان أن 75% من الذين بقوا هذه المدة كان رد فعلهم على معرفتهم بمرضهم " روحاً مقاتلة " ، مقابل 22% من الذين تقبلوا الأمر دن انفعال أو بمشاعر عجز وفقدان أمل.
وقد وجد سيجل أن قلة من الأطباء تملك الثقة بالنفس اللازمة لدفع الآخرين إلى الإيمان بالمستقبل والاهتمام بأنفسهم، لأنهم اعتادوا على رؤية المرض والعاهات بحيث يندر أن يكون لديهم مسلك إيجابي.
وينبغي أن يكون دور الطبيب مع المريض دور " المعلم " الذي يساعدهم على فهم ما يجري ، وليس الديكتاتور الذي لا يسمح لأحد إلا بسماع ما يقوله فقط.
عندما بدأ سيجل في تعليم مرضاه ظهر التحسن عليهم ، ولم يفهم سيجل سبباً لهذا التحسن ، حتى أنه اقترح حلَّ الجماعة العلاجية ؛ كي لا يتحول إلى دجال أو محتال . وحينها فسر له المرضى الأمور وقالوا: إننا نتحسن لأنك أعطيتنا الأمل ، وجعلتنا نملك زمام حياتنا ، إنك لا تفهم لأنك طبيب ، فاجلس وتذرع بالصبر" . فجلس .. وأصبح مرضاه أساتذته.
كان بعض الأطباء قد نصحوا المرضى بأن يظلوا بعيداً عن سيجل حتى لا يبنوا أملاً كاذباً .. ولكن سيجل كان مصراً على أن مفاهيم " الأمل الكاذب " و " الاهتمام غير المتحيز " ينبغي أن تختفي من القاموس الطبي لأنها هدامة للطبيب والمريض، واتخذ شعاراً لجماعته العلاجية " في مواجة الشك ... لا خطأ في الأمل" . لأن رفض الأمل ليس إلا قراراً بالموت .
حين بدأ سيجل يتعلم من مرضاه غير العاديين ، أجرى تغييرات جذرية في ممارسته للطب ، وأستطاع أخيراً أن يقرر من كل قلبه أن يظل جراجاً لتكون له علاقات مباشرة طويلة الأمد مع المرضى ، ولكنه وسَّع نطاقه من مجرد دور الميكانيكي ليُدخِلَ بعض وظائف الواعظ والمعلم والمعالج ، وتقبَّل المرضى على أنهم أفراد لهم خيارتهم الخاصة .. فأصبحوا فريقاً.
يقول سيجل :
إنني أُرجِع مستقبلي الحقيقي في العلاج إلى هذه الفترة لأنني وجدت عندئذ فقط المعنى الكامل في العمل . والمعنى يتألف من تعليم المرضى كيف يعيشون . لا التعليم من وراء منصة ، بل مع إدراكنا أننا نُعَلِّم الذي نريد أن نتعلَّمَه . فيجب أن يعلم الأطباء مرضاهم وأن يتعلموا منهم في الوقت نفسه . لقد كانت محاولتي التعليم هي خلاصي الخاص، وأشعر أنني أعظم المنتفعين من جماعة المرضى غير العاديين.
أصبح سيجل " السامع المتميز " ، واطمأن إليه مرضاه فأخرجوا من أعماقهم الانفعالات المكبوتة وأفضوا بها إليه . ولاقى كثيراً من التشكك من الأطباء المعتادين على التعامل الميكانيكي مع المرضى. وأرسل إلى العديد من المجلات العلمية بأفكاره ولكنهم تعاملوا معها بكثير من التعالي ، ولاقى في الاجتماعات الطبية شكوكاً متشددة إن لم تكن سخريةً تامةً ، وانتهى من تجاربه مع المؤسسة الطبية الرسمية إلى أن يقول:
أصبحت مقتنعاً بأن الإحصاءات قلَّ أن تغير المعتقدات الراسخة . وفي الإمكان التلاعب بالأرقام كي تجعل التحيُّز أشبه بالمنطق. وأنا الآن أركز على التجارب الفردية بدلاً من الانكباب على الإحصاءات ، وفي سبيل تغيير العقل يجب أن يتحدث الإنسان غالباً إلى القلب .. وأن يستمع .. فالمعتقدات مسألة إيمان .. لا منطق.


تابعوا بقية تلخيص الكتاب في مقالات تالية إن شاء الله تعالى .

التعليقات

حقائق يجهلها الأطباء

لاشك أن بيرنى سيجل واحد من هؤلاء الثوار الذين عاشوا فترات من حياتهم أسرى معتقدات جامدة ، ولا يتيحون لأنفسهم الفرصة للتعالى والتجاوز عن الماديات ، وتجاهلوا تماما الروح الوثابة القادرة على التأثير والفعل ، والدين هو من يعلى هذا الشأن ويعطيه الحجم المناسب ، وكم من معجزات تحققت لكن عميت الأبصار عن رؤيتها ، وكم من قوانين وضعية اخترقت ، وصمت الآذان عن مدلولاتها . الروح هى الأهم والأديان هى من يعطى للروح ما تستحقه من أهمية