لنحاول نزع فتيل الخلاف..
إنه الخلاف الذي يصل في كثير من الأحيان إلى حلقة مفرغة من الصراع الدائم الذي لا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد..تارة حول الملابس.. وتارة حول نوعية الأصدقاء.. وتارة حول قضاء أوقات الفراغ.. الاهتمام بالدراسة.. أعمال المنزل.. مكالمات الهاتف.. بل وحتى اختيار شريك الحياة..إلى غير ذلك..
وقد تتشدد الأم في هذا الخلاف وقد تعاند الفتاة وتقسو في أحيانٍ أخرى ، ولكنها تظل حلقة مشتعلة ممتدة حتى تنتقل الفتاة إلى طور جديد تقرأ فيه سطوراً كانت قد خفيت عليها..وتفهم فيه معاني كانت مستعصية على إدراكها ..
تدرك أن وقود هذا الصراع عادة كان حب الأم وحرصها ورغبتها في حماية الابنة ، والخروج بها امرأة مميزة متميزة عمن حولها..
نعم قد لا تفقه الكثير من الأمهات لغة الحوار المناسبة ، وقد لا تدرك حجم التغيرات المصاحبة لمراحل نمو ابنتها ، ولكن وقود مشاعرها هو دائماً المحرك الأساسي الذي قد تعلو درجة حرارته فيتحول إلى خوف صاخب وقلق زائد..وقد تقل عن ذلك فينبت حواراً متزناً وانفعالاً معتدلاً.. وقد تخبو حرارته فيما ندر فيكسوه شحوب الإهمال وروح التجاهل..
إلا أن هذا الوقود هو المحرك الأساسي لكل تصرفات الأم تجاه أبنائها..
لكنك قد لا تدركين هذا إلا بعد حين ؛ فتقرئين أي اختلاف أو خلاف على أنه حرب شعواء تشنها أمك.. وحلقة من الجحيم تشعلها حول حياتك الآمنة المستقرة التي ترغبين فيها بالتحليق وحدك فيما يطيب لك من خيالات أو أفكار أو أحلام..واثبات ذاتك بطريقتك الخاصة..
وقد تتساءلين الآن ما المطلوب مني تجاه أمي ، وكيف أطفئ لهيب الصراع المشتعل على الدوام..؟؟
فتاتي لقد ودعت عهد الطفولة ..وأصبح لديك من الحقوق الكثير..ولكن الحياة ليست حقوقاً يستخلصها طرف على حساب الآخرين ، ومنحاً يختص بها عن غيره من المحيطين ، فكما لك من الحقوق عليك من الواجبات والأعباء والمسؤوليات ..وقيامك بهذه الواجبات والمسؤوليات هو العلامة الحقيقية على انتقالك من طور الطفولة إلى طور النضج..
فحاولي أن تكوني تلك التي تفهم ما لها من حقوق وتدرك ما عليها من واجبات ومسؤوليات..وتكون في مقابل ذلك محل احترام وتقدير الجميع:
أنت أنثى ناضجة تحفظ معالم أنوثتها ، وتدرك الحدود والضوابط الأخلاقية التي تحفظ لهذه الأنوثة عفتها وبراءتها..
أنت فتاة ناضجة تستخدم الحرية بانضباط ، ولا تستغل ثقة الآخرين لتخرج عن القيم والضوابط الأخلاقية..
أنت فتاة مؤمنة تراقب الله في نفسها قبل أن يتسلط الآخرون عليها بالشك والمراقبة والارتياب..
أنت فتاة واعية تعي أن كل لحظة في عمرها لها ثمن عليها أن تستغلها في منفعة ، ولا تنفقها في غير طاعة..
أنت فتاة معطائه لا تدع فرصة للعطاء والبذل والتواصل مع الأسرة وذوي الرحم إلا اقتنصتها..
فإذا كنت هذه الفتاة هل ستبقى علة ليرميك أحدهم بتهمة الطفولة وينزع عنك صفة النضج..
أنا وأمي هل من سبيل للقاء؟
إنها هناك ليست بعيدة كما تظنين فإن لم تطرق بابك فاطرقي بابها ، وإن لم تسألك فبادري أنت بسؤالها ، وإن انشغلت عنك فشاركيها فيما انشغلت به عنك حتى تنشغل بكٍ عما سواك..وإن لامتك فانتزعي دفء الكلمات من ثنايا لومها..وإن عاتبتك فتدثري بنفحات الحنان من سويداء ألفاظ عتابها.. وإن احتوتك فسارعي والقي بهمومك ومشكلاتك في أحضان رعايتها وإنصاتها..
حاولي أن تستمعي إليها جيداً واستبعدي مع دفقات كلماتها أحكامك السلبية المسبقة عليها..حاولي أن تتفهمي وجهة نظرها واظهري تعاطفك مع أفكارها ، واستبدلي كلماتك القاسية في التعبير عن رأيك بكلمات لينة متلطفة ليمتد بينكما جسر الحوار الهادئ ، ولا تنسي أن البر شيء هين وجه طليق ولسان لين..فهل يستعصي عليك أن تجسدي معاني البر في قولك وأفعالك ، وأنت الفتاة الناضجة العاقلة التي ودعت عهد الطفولة منذ زمن..
إذن فأسرعي إليها فقد يأتي يوم تتمنين فيها لقاءها والارتماء في أحضان نفحات كلماتها ، حتى ولو كانت هذه الكلمات مجرد لوم أو نقد أو عتاب..
ليكن أول خطوات الطريق إليها "أحبك يا أمي" .