في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعد ظهوره ظهرت أسماء نسائية صنعت أمجادا في ميدان الحرب والسلم, حملت السيف تدافع عن الحق وكتبت بالقلم شعراً ونثراً ، وقد كتبت علي جدران التاريخ أسطرا من نور في جميع المجالات.. منهن الشيماء ويقال أيضا الشماء وهي بنت الحارث بن عبد العزي بن رفاعة من بني سعد بن بكر من قبيلة هوازن.
اسمها الأصلي حذاقة وقد غلب عليها اسم الشيماء وهي ابنة حليمة السعدية التي كانت من بين مراضع بني سعد حين انطلقن إلى مكة يلتمسن الأطفال لإرضاعهم ، فلم يطل مكثها بمكة حتى عادت تحمل معها طفلاً ، ولم يكن هذا الطفل الرضيع سوى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي أرضعته حليمة ، وطرحت البركة في كل ما عندها..
حملته حليمة السعدية مع زوجها إلي ديارهما واستقبلتهم الشيماء وهي علي لهفة لتري الطفل الرضيع الذي حملته أمها معها.وكانت تسمع لأمها وهي تسرد علي مسامعها ما جري معها في مكة وخلال الطريق وكيف فاض ثديها وثدي الناقة باللبن ، ومنذ اللحظة الأولي تعلقت غدت لا تفارقه لحظة وخلال يوم تحسنت الأحوال في منزل حليمة السعدية بعد قدوم محمد ، وعرف بنو سعد مدي ما تربع حليمة وأسرتها من البركة.
كانت الشيماء أكبر أولاد حليمة وكثيرا ما كانت تتكفل برعاية رسولنا الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام والاعتناء به وكانت تبدو سعيدة وهي تلعب دور الأم الصغيرة ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يخرج مع أولاد حليمة إلى المراعي ، وأخته الشيماء تحضنه وتراعيه ، فتحمله أحياناً إذا اشتد الحر وطال الطريق ، وتتركه أحياناً يدرج هنا وهناك ، ثم تدركه فتأخذه بين ذراعيها وتضمه إلى صدرها ، وأحياناً تجلس في الظل ، فتلعبه وتقول :
يا ربنا أبـــق لنا محمـدا
حتى أراه يافعـاً وأمــردا
ثم أراه سيـداً مســـوداً
واكبت أعاديه معاً والحسدا
وأعطه عـزاً يدوم أبـدا
وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد إلى الخامسة من عمره ينهل من جو البادية الطلق الصحة والنماء ، ويتعلم من بني سعد اللغة المصفاة الفصيحة. وقد تركت هذه السنوات الخمس في نفسه الكريمة أجمل الأثر وأبقاه
وحين حان موعد عودته إلي أمه تعلقت الشيماء بالطفل تودعه وتقبله في حرارة ودموعها تكاد تسقط من مآقيها ، وكم كانت المفاجأة للشيماء حين عادت أمها حليمة وهي تصحب معها سيدنا محمد مرة أخري حيث قبلت والدته أن يمضي معها فترة أطول ، وما إن عاد حتي تعلقت به ولم تكن تفارقه إلا قليلا.
وذات يوم أحست الشيماء بالذعر وهي تسمع أخاها عبد الله وهو يصرخ علي أمه لتلحق أخاه القرشي لأن رجلين أمسكا به وشقا بطنه ، وأسرعت حليمة والشيماء نحو محمد عليه الصلاة والسلام فوجدتاه وقد علت الصفرة وجهه وأخبرهما بأن رجلين يرتديان ثيابا بيضاء قد أتيا إليه وشقا صدره ولكنهما لم يجدا اثر علي جلده وهنا أحست الشيماء بالحزن الشديد حين قررت حليمة أن تعيد الطفل إلي والدته.
وتعاقبت السنون والأيام وظهرت الدعوة الإسلامية وانتشر الإسلام وهاجر النبي وبدأت ملحمة الجهاد والشيماء تتبع أخبار محمد صلي الله عليه وسلم ، وكانت قبيلتها معادية لقريش ــ وفي السنة الثانية للهجرة أغار المسلمون علي قبيلة' هوازن' وأُخذت الشيماء أسيرة ضمن من أخذ من السبايا وكانت قد شاخت وطعنت في السن وتغيرت ملامحها فقالت لمن أسروها أنا أخت صاحبكم ، فقدموا بها علي النبي عليه الصلاة والسلام فعرفته بنفسها فرحب بها وبسط لها رداءه فأجلسها عليه ، ودمعت عيناه وقال لها إن أحببت فأقيمي معنا مكرمة محببة وإن شئت أن ترجعي إلي قومك أوصلتك فقالت الشيماء بل تمتعني و تردني إلي قومي فمتعها وردها إلي قومها وأعطاها جارية وغلاما اسمه مكجول ، وكان حين فك أسرها أطلق سراح أهلها جميعهم.
وقد دافعت الشيماء حين ارتد بنو سعد عن الإسلام إثر وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بكل طاقاتها حتي تلافت فتنة الردة في قومها رضي الله عنها.