عندما تُذكَر المناقب وتُرصَد المواقف ويروي التاريخ عظائم الأحداث فلابد أن يذكر اسم نسيبة ..تلك التي كانت من السابقين الأول في الدخول إلى الإسلام..تلك التي وقفت دون الرسول -صلى الله عليه وسلم-يوم أحد تدفع عنه بالسيف وترمي عنه بالقوس.. لم يمنعها كبرها ولا ضعفها ولا ألم جرحها النازف من القتال والقتال والقتال دفعاً للضر عن ذات نبيها ، ووقاية له من سهام الغدر ومناوشات سيف الفكر...
هي المرأة التي خطت سيرتها بقطرات دمها ، وأصداء أنين جرحها ، وقوة عزمها في يوم كيوم أحد ؛ فكانت بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم خير من فلان وفلان وفلان.. وكانت بدعوته هي وأسرتها رفقائه في الجنة..
وهي الرحم التي أنبتت شهيد مسيلمة والذي أبى أن يشهد له بشهادة الكفر فكان الثمن تمزيق جسده وهو حي قطعة قطعة دون أن يزلزل ذلك من إيمانه أو ينال من عزمه شيئاً حتى نال الشهادة..وهي الرحم التي أنبتت قاتل مسيلمة والظافر برأس المرتدين والناقل عن خير البرية أركان الوضوء وسنن التطهر لتظل تعاليمه حروفا من نور وضَّاء على جسد كل مسلم يتطهر...فأكرم بها من رحم وأكرم بها من مجاهدة وأكرم بها من سيرة عطرة..
هي: نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن عمرو بن مبدول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصارية، وكنيتها أم عمارة. زوجة الصحابي الجليل زيد بن عاصم ، وأم حبيب وعبد الله..
إسلامها: كانت إحدى امرأتين شهدتا بيعة العقبة الثانية فقد ذكر ابن إسحاق أنه كان في بيعة العقبة الثانية اثنان وسبعون رجلاً وامرأتان، فيزعمون أن امرأتين قد بايعتا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان لا يُصافح النساء، والمرأتان هما من بني مازن بن النجار نسيبة وأختها، ولقد كان انتصارًا للدعوة الإسلامية أن تدخلها المرأة، وأن تقف مع الرجل في ميدان الجهاد في صف واحد، وتبايع وتقسم على التضحية في سبيل العقيدة.
يوم أحد:
خرجت نسيبة يوم أحد ومعها سقاء وفيه ماء ، فانتهت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في أصحابه ، والدولة والربح للمسلمين ، فلمّا اضطرب المسلمون انحازت إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فكانت تباشر القتال وتذود عنهم بالسيف ، وترمي عنه القوس حتى جُرِحَت على عاتقها جُرحاً أجوفاً له غَوْر ، أصابها به ابن قُميئة وقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( لمقامُ نسيبة بنت كعب اليومَ خيرٌ من مقام فلانٍ وفلان ) وكان يراها تقاتل أشدَّ القتال ، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جُرِحَت ، وقد قالت للرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ادْعُ الله أن نرافقك بالجنة ؟!) فقال :( اللهمَّ اجعلهم رفقائي في الجنة ) فقالت :( ما أبالي ما أصابني من الدنيا )
وقد جُرِحَ يوم أحد ابنها عبد الله في عَضُده اليسرى ، ضربه رجل ورحل عنه ، وجعل الدم لا يرقأ ، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( اعْصِبْ جُرْحَك ) فأقبلت أمه نسيبة ومعها عصائب قد أعدّتها للجراح ، فربطت جُرْحَه ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- واقف ينظر إليه ، ثم قالت :( انهضْ بنيّ فضارِب القومَ ) فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول :( ومَنْ يُطيقُ ما تُطيقينَ يا أمَّ عمارة ؟!) وأقبلَ الرجلُ الذي ضرب ابنها فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( هذا ضارب ابنك ) فاعترضته وضربت ساقه فبرَكَ ، فابتسم الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى رأت نواجذه وقال :( اسْتَقَدْتِ يا أمَّ عمارة ) وعندما أتوا على نفسه قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( الحمدُ لله الذي ظفّركِ وأقرّ عينك من عدوّك ، وأراك ثأرَكِ بعينِك ) وأثنى عليها النبي قائلاً:(ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً يوم أُحد إلا وجدت نسيبة بنت كعب تقاتل دوني).
ولمّا انكشف الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقيت السيدة نسيبة وزوجها وابناها بين يديه يذُبّوا عنه ، والناس يمرون به منهزمين ، ورآها الرسـول الكريـم ولا ترسَ معها فرأى رجـلاً مُوليّاً معه ترس ، فقال له :( ألقِ تُرْسَـكَ إلى مَنْ يُقاتِل ) فألقى تُرْسَـه ، فأخذته نسيبة وتروي ذلك قائلة :( فجعلت أتترَس به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وإنّما فعلَ بنا الأفاعيلَ أصحابُ الخيل ، لو كانوا رجّالةً مثلنا أصبناهم إنْ شاء الله ، فيُقبل رجلٌ على فرسٍ فضربني ، وتترّسْتُ له فلم يصنع سيفه شيئاً ، وولّى ، وأضرب عُرْقوب فرسِهِ ، فوقع على ظهره ، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يصيح :( يا ابن أم عمارة أمَّكَ أمَّكَ !) فعاونني عليه حتى أزْوَرْتُهُ شَعُوب )
ثم نادى منادي الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى حمراء الأسد لملاحقة قريش ، فشدّت عليها ثيابها ، فما استطاعت من نزف الدم ، ولمّا رجع رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- أرسل إليها عبد اللـه بن كعب المازنيّ يسأل عنها ، فرجع إليه يخبره بسلامتها ، فسُرَّ الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- بذلك..
في سبيل الدعوة:
وتمضي الأيام .. وتظل الفدائية المؤمنة تخدم الإسلام .. وتؤدي واجبها بكل ما تستطيع..في الحروب والمعاهدات .. فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان وهي بيعة المعاهدة على الشهادة في سبيل الله .. كما شهدت يوم حنين.
مقتل الحبيب ابنها حبيب:
رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يبعث لمسيلمة الكذاب رسالة ينهاه فيها عن حماقاته ، وحمل حبيب بن زيد الرسالة ، وفض مسيلمة كتاب رسول الله له فازداد ضلالاً وغرورا ، فجمع مسيلمة قومه ، وجيء بمبعوث رسول الله وأثار التعذيب واضحة عليه ، فقال مسيلمة لحبيب :( أتشهد أن محمدا رسول الله ؟) وقال حبيب :( نعم ، أشهد أن محمدا رسول الله ) وكست صفرة الخزي وجه مسيلمة ، وعاد يسأل :( وتشهد أني رسول الله ؟) وأجاب حبيب في سخرية :( إني لا أسمع شيئا !!) وتلقى الكذاب لطمة قوية أمام من جمعهم ، ونادى جلاده الذي أقبل ينخس جسد حبيب بسن السيف ثم راح يقطع جسده قطعة قطعة ، وبضعة بضعة وعضوا عضوا ، والبطل العظيم لا يزيد على همهمة يردد بها نشيد إسلامه :( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله )..
الثأر يوم اليمامة:
أقسمت أم البطل نسيبة بنت كعب على الأخذ بالثأر لابنها حبيب من مسيلمة الكذاب وذلك لما بعث خالد بن الوليد إلى اليمامة ، فجاءت إلى أبي بكر الصديق فاستأذنته للخروج فقال: قد عرفنا بلاءك في الحرب فاخرجي على اسم الله، وأوصى خالد بن الوليد بها وكان مستوصياً بها، وتروي نسيبة عن إصابة يدها في ذلك اليوم فتقول: أصيبت يوم اليمامة لما جعلت الأعراب ينهزمون بالناس نادت الأنصار : " أخلصونا " ; فأخلصت الأنصار ، فكنت معهم حتى انتهينا إلى حديقة الموت فاقتتلنا عليها ساعة حتى قتل أبو دجانة على باب الحديقة ودخلتها وأنا أريد عدو الله مسيلمة فيعترض لي رجل منهم فضرب يدي فقطعها ، فوالله ما كانت لي ناهية ولا عرجت عليها حتى وقفت على الخبيث مقتولاً ، وابني عبد الله بن زيد المازني يمسح سيفه بثيابه . فقلت : قتلته ؟ قال نعم . فسجدت شكرا لله..
قتال الفرس:
وظل أبو بكر يطمئن عليها حتى شفيت جراحها ، ثم خرجت مع المسلمين لقتال الفرس، وسقط إيوان كسرى وغنم المسلمون غنائم عظيمة بكت وتذكرت النبي وهو يشارك في حفر (الخندق) ويضرب بالمعول صخرة عظيمة وهو يصيح (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس). وكانت ضمن الغنائم (قطيفة مرصعة بالجواهر واللالئ فكانت من نصيب أم عمارة واحتضنت القطيفة وهي تبكي لهذه المنزلة العالية بين الصحابة .
روايتها للحديث:
روت السيدة نسيبة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عدة أحاديث منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الصائم إذا أُكل عنده صلّتْ عليه الملائكة"، ويؤثر أنها أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن، فنزل قوله الله تعالى: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..." (الأحزاب:35)
وفاتها:
توفيت أم عمارة في خلافة عمر- رضي الله عنهما- عام 13 هـ. رضي الله عنها وأرضاها..