الزوجة المحبة

هي زينب بنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية، أبوها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالدتها أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد الأسدية القرشية رضي الله عنها، وهي كبرى بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأولاده، ولدت في مكة المكرمة قبل البعثة النبوية بعشر سنوات.
زوجها: ابن خالتها هالة بنت خويلد. وهو: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى. الذي اشتهر بالأمانة في المعاملات التجارية التي كان يقوم بها، راعيا للتجارة في رحلاته إلى الشام صيفاً وشتاءً.

الطفولة والنشأة:
لما حملت خديجة بنت خويلد، في بداية زواجها من رسول الله، كانت سعادتها لا توصف، وهي التي تقدم بها العمر، وما كان المراقبون لهذا الزواج، ينتظرون منه ولادة، فأرادت أن تقول للناس في مكة، أنها ما زالت ولودا، فأشركت مكة فرحتها، بهذا الحمل الطيب، فأولمت للفقراء والمحتاجين، وبارك الجميع حملها.
ولما جاءت زينب، نحرت الذبائح، لمقدمها المبارك.
وأبقتها بين أحضانها، وأحضان أبيها الذي فرح بها، أطول فترة قبل أن تسلمها لمرضعتها، كما كانت العادة آنذاك ، وعادت بعد الرضاعة، لتنمو وتكبر أمام والديها، تشرب منهما الحب والوفاء، والصدق والأمانة. حتى شبّت على مكارم الأخلاق ِوالآداب والخصال فكانت تلك الفتاة البالغة الطاهرة.

زواج زينب:
وبدأت زينب تتقدم إلى عالم الأنوثة، وشُغل بها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وتمنى القرشيون، أن يزوجوا شبابهم من زينب بنت محمد، لما كانت تتمتع به من سمو في الأخلاق، وجمال في الخلق..
وخشى أبو العاص، أن يعود من إحدى رحلاته، ليجد زينب قد خطبت لغيره فأسرّ إلى خالته خديجة، بحبه لزينب التي ملكت عليه نفسه، ويريدها زوجة له.
وكانت زينب، تعتبره أخاً لها، وقد فطنت الخالة قبل أن يسرَ إليها بمطلبه، أنه يهيم بزينب حباً، وأن زينب، بدأت تأنس إليه.
ولما تأكدت خديجة، الأم، المحبة، أن الابنة زينب، قد بلغت، وشُغلت بابن خالتها، وجلس يطلبها زوجة، أحالته إلى أبيها، وكان محمد يعرف أن أبا العاص، يرغب زينب زوجة له، ومع ذلك تحدث إلى أمها، التي تحدثت إليها، ووقف محمد، ليسمع موافقة ابنته على الزوج بن الخالة، وسألها، فلم ترد، وسمع أمها تبارك الزواج، وتدعو لهما بالتوفيق، فبارك هو أيضاً زواج أبو العاص من ابنته زينب.
عاشت زينب حياة سعيدة في كنف زوجها وكانت خير الزوجة الصالحة الكريمة لأبي العاص ، وكان هو خير الزوج الفاضل الذي أحاطها بالحب والأمان. وشاء الله تعالى أن يكون ثمرة هذا الزواج السعيد طفلين أنجبتهما زينب {رضي الله عنها}. الأول علي بن أبي العاص الذي توفي صبياً وكان رسول الله قد أردفه وراءه يوم الفتح ، والثانية أمامة بنت أبي العاص التي تزوجها علي بن أبي طالب { كرم الله وجهه} بعد وفاة فاطمة الزهراء {رضي الله عنها}.
وكان أبو العاص يعمل بالتجارة فيضطر في بعض الأحيان للسفر إلى بلاد الشام تاركاً زوجته عند أمه هالة بنت خويلد . ومن شدة حب أبي العاص لزوجته كان يقول فيها في سفره وبعيدا ً عنها:
ذكرت زينب لما ورّكــــت أرماً فقلت سقيا لشخصٍ يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صــــالحاً وكلٌ بَعـلٍ سيثني بالذي عـلِما


نزول الوحي:
وبعد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسرعت خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل تروي له كل ما حصل مع زوجها في غار حراء، فبشرها بأنه سيكون نبي الأمة المنتظر ولكن وفي الوقت نفسه فإنه سيتعرض للتعذيب والاضطهاد من قريش. سرت خديجة ببشارة النبي وحزنت بعد معرفتها بأن قريش لن تتبع زوجها بالدين الذي سيدعو له ، وعلى الرغم من ذلك كانت السيدة خديجة {رضي الله عنها} أول من آمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأول من اتبعه.
وفي يوم نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان أبو العاص في سفر تجارة ، فخرجت السيدة زينب {رضي الله عنها} إلى بيت والدها تطمئن على أحوالهم فإذا بها ترى أمها خديجة في حال غريب بعد عودتها من عند ورقة بن نوفل. سألت زينب أمها عن سبب هذا الانشغال فلم تجبها إلى أن اجتمعت خديجة {رضي الله عنها} ببناتها الأربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة {رضي الله عنهن} وأخبرتهن بنزول الوحي على والدهم صلى الله عليه وسلم وبالرسالة التي يحملها للناس كافة. لم يكن غريباً أن تؤمن البنات الأربع برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فهو أبوهن والصادق الأمين قبل كل شي، فأسلمن دون تردد وشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وقررت الأم الوقوف إلى جانب زوجها ومساندته، وهذا أقل ما يمكن فعله ، أسلم عدد قليل من رجال مكة من أمثال أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام {رضي الله عنهم }وهم من الذين أيدوه وتقاسموا معه ظلم قريش وبطشهم.
وعاد أبو العاص من سفره، وكان قد سمع من المشركين بأمر الدين الجديد الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم ، دخل على زوجته فأخبرها بكل ما سمعه، وأخذ يردد أقوال المشركين في الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه، في تلك اللحظة ، وقفت السيدة زينب {رضي الله عنها}موقف الصمود وأخبرت زوجها بأنها أسلمت وآمنت بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ودعته إلى الإسلام فلم ينطق بشيء وخرج من بيته تاركاً السيدة زينب بذهولها لموقفه غير المتوقع. وعندما عاد أبو العاص إلى بيته وجد زوجته {رضي الله عنها} جالسة بانتظاره فإذا به يخبرها بأن والدها محمد صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام وترك عبادة الأصنام ودين أجداده ، فرحت زينب ظناً منها أن زوجها قد أسلم، لكنه لم يكمل ولم يبشرها بإسلامه كما ظنت فعاد الحزن ليغطي ملامح وجهها الطاهر من جديد. وبالرغم من عدم إسلام أبي العاص ألا أنه أحب محمد صلى الله عليه وسلم حباً شديدا،ً ولم يشك في صدقه لحظة واحدة، وكان مما قال لزوجته السيدة زينب {رضي الله عنها} في أحد الأيام عندما دعته إلى الإسلام :
" والله ما أبوك عندي بمتهم، وليس أحب إليّ من أن أسلك معك يا حبيبة في شعب واحد، ولكني أكره لك أن يقال: إن زوجك خذل قومه وكفر بآبائه إرضاء لامرأته"

الزوجة الداعية:
وعلى الرغم من عدم إسلام زوجها -رضي الله عنها- فقد بقيت معه تدعوه إلى الإسلام، وتقنعه بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو من عند الله وليس هناك أحق من هذا الدين لاعتناقه. ومن ذلك نجد أيضاً أن أبا العاص لم يجبر زوجته على تكذيب والدها صلى الله عليه وسلم أو الرجوع إلى دين آبائهِ وعبادة الأصنام ِ وحتى وإن أجبرها فلم تكن هي، لتكذب أباها إرضاء لزوجها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
بعد عام الحزن الذي شهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه بناته {رضي الله عنهن} وفاة كل من السيدة خديجة {رضي الله عنها}، وعم الرسول صلى الله عليه وسلم أبي طالب، زاد بطش وتعذيب كفار قريش للرسول صلى الله عليه وسلم . كان محمد صلى الله عليه وسلم يجد في السيدة خديجة ملجأً لبث همومه، وكان يشكو إليها من تعذيب رجال قريش ، ويرى في عمه أبو طالب رجلاً معيناً وناصراً على قومه على الرغم من عدم إسلامه. لذلك كان وفاة هذين الشخصين العزيزين مأساة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فحزن لذلك حزناً كبيراً وحزنت معه زينب ومعها أخواتها الثلاث {رضي الله عنهن} وقد وجهن كل حنانهن وحبهن أباهم صلى الله عليه وسلم للتخفيف عنه.

كانت السيدة زينب {رضي الله عنها} تسمع في كل يوم عن مطاردة قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وتعذيبه، ومعه أصحابه بشتى أنواع العذاب، وهي ترى صبر والدها، وما كان منها إلا أن تدعو له بالنصر على أعداؤه ونشر دعوة الإسلام في كل مكان. حتى كان اليوم الذي وصل فيه خبر هجرة محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الصديق أبو بكر {رضي الله عنه}إلى يثرب ، ومطاردة رجال قريش لهما؛ لقتلهما والقضاء على خاتم الرسل والإسلام. وكانت زينب تمضي الليالي مضطربة النفس خائفة القلب على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم ترتح إلا بعد أن وصل خبر وصوله وصاحبه إلى يثرب آمنين سالمين. وبعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أمر بإحضار ابنتيه فاطمة وأم كلثوم {رضي الله عنهن} إلى دار الهجرة يثرب، أما رقية {رضي الله عنها} فقد هاجرت مع زوجها من قبل ولم يبق سوى زينب التي كانت في مأمن من بطش المشركين وتعذيبهم وهي في بيت زوجها الذي آمنها على دينها.

أسير بدر:
ومن أشد الأمور غرابة، أن أبا العاص زوج السيدة زينب {رضي الله عنها}كان قد تحالف مع المشركين وقرر الوقوف ضد رسول الله ووالد زوجته صلى الله عليه وسلم والمسلمين في موقعة بدر تاركاً زوجته وطفليه في مكة، غير آبه بزوجته وطلبها البقاء في مكة، وعدم المشاركة مع المشركين.كانت زينب {رضي الله عنها} تدعو الله سبحانه وتعالى أن ينصر والدها على أعداء الله ِوأن يحفظ زوجها من كل سوء على الرغم من عصيانه لله. وبدأ القتال وواجه المشركون بعددهم الكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه القلة المؤمنة، ولكن الله تعالى نصر رسوله والمؤمنون نصراً كبيراً وهزم أعداء الإسلام على الرغم من عدم التوافق العددي بين الجيشين.
وصل خبر انتصار المسلمين إلى مكة وكانت فرحة زينب بهذا الانتصار لا توصف، ولكن خوفها على زوجها لم يكمل تلك السعادة التي غمرتها، حتى علمت بأن زوجها لم يقتل وأنه وقع أسيراً في أيدي المسلمين . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى أبا العاص زوج ابنته ضمن الأسرى، واستبقاه عنده بعد أن أمر الصحابة أن يستوصوا بالأسرى خيراً.
( روي عن عائشة، بإسناد واه: أن أبا العاص شهد بدراً مشركاً، فأسره عبد الله بن جبير الأنصاري ، فلما بلغت أهل مكة في فداء أسراهم، جاء في فداء أبي العاص أخوه عمرو، وبعثت معه زينب بقلادة لها من جز ع ظفار-أدخلتها بها خديجة- في فداء زوجها، فلما رأى رسول الله القلادة عرفها، ورق لها وقال:" إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فعلتم"؟ قالوا: نعم . فأخذ عليه العهد أن يخلي سبيلها إليه ، ففعل ).

الهجرة إلى يثرب:
وجىء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالزوج الأسير، وهمس له في أذنه، وتركه يرحل. فانطلق إلى مكة، ليرى الزوجة الحبيبة، بنت رسول الله ، واستقبلته زينب بنت محمد، الزوجة المحبة، فاقبل على طفليه، وحيل بينهما شيء، ما أدركته زينب، إلى أن قال لها أبو العاص:
"أباك طلب أن أردك إليه، لأن الإسلام فرّق بيني وبينك، وقد وعدته".
وسألته: هل ترافقني إلى دار الهجرة؟
قال: بل أصحبك إلى أن نصل إلى زيد بن حارثة، وصاحبه، على بعد ثمانية أميال من مكة، لتذهبي معهما إلى أبيك بالمدينة.
ولما حان وقت رحيل زينب إلى أبيها، عزّ على "أبي العاص" لحظات وداعها فأوكل لأخيه "كنانة بن الربيع" مهمة مرافقة زينب وطفليه "علي وامامة"، إلى زيد بن حارثة وصاحبه.
وعرف المشركون بأمر رحيل بنت رسول الله، إلى المدينة، فاغتاظوا من زوجها الذي سمح لها بالرحيل، وهب جماعة ممن لهم أسرى عند رسول الله، واعترضوا طريق زينب وطفليها، يقوده شقيق الزوج، الذي راعه أن وجد بعير زينب، يقفز بها في عصبية إثر نخسة قصد بها الناخسون، هياج البعير، لتسقط راكبته، فتموت، فيؤلمون بموتها الأب الرسول، الذي يكرهون ويحاربون.
وبالفعل سقطت زينب بنت محمد، من أعلى البعير، على الرمال الصخرية، ففقدت حملها الذي كان يقترب من شهره الرابع.
وكان "هبار بن الأسود الأسدي" وزميل له، هما اللذان فعلا بالبعير، ما قتل الجنين الذي تركه أبو العاص، في أحشاء زينب بنت محمد، وهاج "كنانة" شقيق أبو العاص، لما فعله الآثمون بزوجة أخيه، وكاد أن يقاتلهم، لولا أن جاءه "أبو سفيان" وهدأ من روعه.
لكن الأغرب والأعجب هو صنيع هند بنت عتبة، وهي التي كانت تضاهي العرب بمصيبتها في بدر وهي التي بلغ الحقد عندها مبلغاً لم نسمعه عن امرأة في التاريخ حين لاكت كبد حمزة رضي الله عنه بعد مقتله ، هند هذه تأتي إلى زينب بنت محمد التي تريد أن تذهب إلى أبيها محمد صلى الله عليه وسلم، تأتي إليها فتخاطبها : يا بنت عم، لا تفعلي (أي لا تخافي وتكتمي عليّ سفرك) إني امرأة موسرة وعندي سلع من حاجتك ، فإن أردت سلعة بعتكها ، أو قرضاً من نفقة أقرضتك فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال؟! وتوجت موقفها هذا بأن نظرت إلى هبار بن الأسود ومن معه اللذين تعرضا لبنت محمد عندما أرادت الخروج وروعاها بالرمح ، نظرت إليهما نظرة احتقار ، واكتفت أن تقول لهما :
أفي السلم أعيار جفاء وغلظة *** وفي الحرب أشباه النساء العوارك
وعاد "كنانة" بزوجة أخيه زينب بنت محمد، إلى مكة، حيث كان الزوج، حزيناً يتحسّر على ما حدث لحبيبة قلبه وروحه، فجلس بجوارها، يمرضها، ويحاول إيقاف الدم الذي تنزف، إلى أن تماثلت قليلاً للشفاء، فأخذها "كنانة" مرة أخرى تحت جنح الليل، إلى أن وصل بها إلى "زيد وصاحبه" بالمكان المحدد لهما.
واصطحبها زيد بن حارثة وصاحبه إلى رسول الله بالمدينة، الذي أهمّه ما حدث لابنته، التي ظلت تعاني من أثر فقد الجنين بالحادث الأليم، الذي آلم الأب الرسول، وأحزنه، أن تكون ابنته العزلاء، هدفاً، لينتقم أعداؤه منه.
وعاشت زينب بنت محمد، بآلامها وأحزانها، مع طفليها، تجتر الأيام الجميلة التي قضتها مع الزوج الحبيب، الذي أثر أن يظل على دين آبائه وأجداده، مطيعاً لصهره رسول الله، في ألا يقرب زوجته، لأن الإسلام فرّق بينهما، فهي مسلمة، وهو ما زال على دين آبائه وأجداده. فازدادت حباً وشغفاً وشوقاً وحنيناً إليه. وازدادت تقديراً واحتراماً وتوقيراً للمحب المطيع الذي وعد الصهر النبي ولم يخلف له وعداً. وراحت زينب بنت رسول الله، تبكي وتدعو الله أن يهيىء قلب الزوج للإسلام، فيجتمع شمل الأسرة، ويعيش الطفلان مع أبويهما، تحت مظلة الإسلام، حياة هانئة سعيدة، طيبة.

إسلام الزوج:
وما إن انتهت من دعواتها، حتى دخل عليها "أبو العاص" على أطراف أصابعه، يريد أن يختبئ عندها، من مطاردة المسلمين له، بعد أن حاصروه، وترك لهم ما كان معه من أموال، عاد بها من تجارته التي انتهى منها، وكان راجعاً بأموال الناس إلى مكة.
فرحبت به بنت محمد رسول الله، أم عياله، وجلس يداعب علياً وأمامة، وخرجت زينب إلى المسجد، حيث كان الأب الرسول، يصلي بالناس فجراً، ونادت بكل ما عندها من صوت، وهي على باب المسجد:
"أيها الناس. إني أجرت أبا العاص بن الربيع".
وقال الرسول: هل سمعتم ما سمعت؟
قال المصلّون: نعم يا رسول الله.
فقال الأب الرسول: نحن نجير على المسلمين أدناهم، وقد أجرنا من أجارت.
وخرج الأب إلى دار ابنته، فيلقاها في حال يرثى لها، فقالت له باكية، متألمة، ذليلة، متضرعة:
"يا رسول الله، إن أبا العاص، إن قرُب فابن عم، وإن بعُد فأبو ولد، وإني قد أجرته".
وتأثر الرسول المحب، الزوج، الأب لما عليه ابنته ولما عليه أبو العاص، وقال لابنته:
"أكرمي مثواه. ولا يخلُصنَ إليك، فإنك لا تحلّين له".
وما إن تركهما الرسول، حتى قالت ابنته لأبي العاص، ولماذا لا تدخل الإسلام يا أبا علي؟ فقال لها: لقد دعوني إليه، على أن أمتلك ما أخذوا مني من أموال، فأبيت أن يبدأ إسلامي، بخيانة الأمانة، فالمال ليس مالي.
وسكتت زينب بنت رسول الله، وقلبها يدعو الله أن يدخل أبو العاص الإسلام.
وفي صباح اليوم، استدعى الرسول الكريم، زيد بن حارثة الذي كان على رأس مهاجمي ومطاردي، ذلك الذي أجارته ابنته. واستدعى الرسول الكريم، أبا العاص بن الربيع.
فقال الرسول لزيد، وأبي العاص يشهد ويسمع:
"إن هذا الرجل منا، حيث علمتم، وقد أصبتم له مالاً، فإن تحسنوا، وتردوا عليه الذي له، فإنا نُحب ذلك، وإن أبيتم، فهو فيء الله الذي أفاء عليكم، فانتم أحقُّ به".
فقال زيد ورجاله: بل نردُّه عليه يا رسول الله.
وجمع زيد بن حارثة، كل ما تحصل عليه مع رجاله، حتى أبي العاص بن الربيع، وسلمه كل شيء بلا أي نقصان ، وحمل أبو العاص، أمواله، وأغراضه، وراح يودع رسول الله قبل رحيله، فقال عنه الرسول: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفّى لي".
وانطلق أبو العاص إلى مكة، وما إن حط رحاله، حتى التف الناس حوله، سعداء، بعودته من تجارة رابحة، يسألونه عن أعدائهم المسلمين بالمدينة.
ووقف أبو العاص، يعطي لكل صاحب حق، ماله، حتى ما عاد لأحد مال عنده، فصاح فيهم بأعلى ما عنده من صوت قائلاً:
يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟!
قالوا: لا. لقد عهدناك أميناً. فجزاك الله خيراً.
وأجال أبو العاص، بعينيه فيهم في هدوء شديد، ثم قال رابط الجاش، هادىء النفس:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام، إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن أكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها، أسلمت.
ونزل إسلام أبي العاص بن الربيع، زوج زينب كبرى بنات رسول الله، على عقول وقلوب الواقفين، كالسُّهم، تشق قلوبهم وعقولهم، فظلوا واقفين كالخشب المسندة، واجمين، وكان الشهادتين، ألجمتا ألسنتهم، فلم ينطق أحدهم بكلمة، فقد كانت صدمة لهم، أن يدخل أبو العاص الإسلام، تاركاً دين آبائه واجداده.
وتركهم أبو العاص، يفيقون من هول الصدمة على مهل، وانطلق إلى المدينة، حيث الصهر الرسول، والعيال والزوجة الحبيبة.
جمع أبو العاص أغراضه وعاد إلى يثرب قاصداً مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفرحون بعودته، ليكمل فرحتهم تلك بالإسلام. وبعد إسلام أبي العاص أعاد الرسول صلى الله عليه وسلم زينب إليه بنكاحه الأول وقيل أنه أعيد إليها بنكاح جديد وعاشا من جديد معا ً والإسلام يجمعهما.

وفاة السيدة زينب {رضي الله عنها}:
عد عام من التمام شمل الزوجين أبي العاص والسيدة زينب {رضي الله عنها}، وبعد أن عاشا حياة كريمة سعيدة في دار الإسلام مع ولديها أمامة وعلي، بدأ المرض يزداد على السيدة زينب {رضي الله عنها}. وظلت زينب لازمة الفراش فترة طويلة من أثر ما تعرضت له من قبل هبار بن الأسود، وهي في طريقها إلى يثرب للهجرة. ولم تستطع الأدوية أن تخفف من مرض زينب فسلمت أمرها لله سبحانه وتعالى. في العام الثامن للهجرة توفيت السيدة زينب {رضي الله عنها}، وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً عظيما،ً وحزن معه زوجها أبو العاص الذي وافته المنية بعد 4 سنوات من وفاة زينب.

و" لما ماتت زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم قال: اغسلنها وتراً، ثلاثاً أو خمساً، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئا من كافور، فإذا غسلتنها،فأعلمنني. فلما غسلناها أعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه".
وبذلك تنتهي حياة هذه الشخصية العظيمة التي وقفت دائماً مع الإسلام ووالدها نبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم تسانده وتواسيه وهو يتعرض لتعذيب قريش. ضحت زينب لأجل زوجها على الرغم من شركه ووقوفه في وجه الإسلام حتى كانت هي سبباً من أسباب إسل