قالوا عنها: "أخص ما يبهرك فيها علم زاخر كالبحر بعد غور، وتلاطم أمواج وسعة آفاق، واختلاف ألوان، فما شئت إذ ذاك من تمكن في فقه أو حديث أو تفسير أو علم بشريعة أو آداب أو شعر أو أخبار أو أنساب أو مفاخر أو طب أو تاريخ.. إلا أنت واجد منه ما يروعك عند هذه السيدة، ولن تقضي عجباً من اضطلاعها بكل أولئك وهي لا تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها"
وتقول عن نفسها رضي الله عنها:((فضلت على نساء الرسول بعشر ولا فخر: كنت أحب نسائه إليه ، وكان أبي أحب رجاله إليه ، وتزوجني لسبع وبنى بي لتسع (أي دخل بي)، ونزل عذري من السماء (المقصود حادثة الإفك) ،واستأذن النبي نساءه في مرضه قائلاً: إني لا أقوى على التردد عليكن ،فأذنّ لي أن أبقى عند بعضكن ، فقالت أم سلمة: قد عرفنا من تريد ، تريد عائشة ، قد أذنا لك ، وكان آخر زاده في الدنيا ريقي ، فقد استاك بسواكي ، وقبض بين حجري و نحري ، ودفن في بيتي)).
وقال عنها - صلى الله عليه وسلم - "فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
هي عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان ، زوجة رسول الله وأفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالقرآن والحديث والفقه. ولدت بمكة المكرمة في العام الثامن قبل الهجرة ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية للهجرة ، فكانت أكثر نسائه رواية لأحاديثه..
أما قوم عائشة فهم بنو تيم، عرفوا بالكرم والشجاعة والأمانة وسداد الرأي، كما كانوا مضرب المثل في البر بنسائهم والترفق بهن وحسن معاملتهن.
وأما أبوها فأبو بكر الذي كان له إلى جانب هذا الميراث الطيب ، شهرة ذائعة في دماثة الخلق وحسن العشرة ولين الجانب. وأجمع مؤرخو الإسلام على أنه (كان أنسب قريش لقريش ، وأعلم الناس بها وبما كان فيها من خير وشر. وكان تاجراً ذا خلق معروف ، يأتيه رجال قومه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وخبرته وحسن مجالسته).
وأما أمها فـأم رومان بنت عامر الكنانية ، من الصحابيات الجليلات. قال فيها رسول الله عندما توفيت: "اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك". وقال فيها أيضا: (من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان).
وأما عائشة فالحديث عنها يطول.. وفي سيرتها عبر ودروس لا حصر لها تحتاج إليها كل امرأة مسلمة عاملة في موكب الدعوة ، وسوف نتوقف عند عدد من مواقف هذه الحياة التي حفلت بالمواقف الشامخة والأحداث العظيمة..
قصة الزواج المبارك:
أخرج الطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(لما توفيت خديجة رضي الله عنها قالت خولة بنت حكيم رضي الله عنها:
• يا رسول الله ألا تتزوّج؟ قال:
• ومن؟ قالت:
• إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً، قال:
• فمن البكر؟ قالت:
• ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر. قال:
• فمن الثيب؟ قالت:
• سودة بنت زمعة. قال:
• فاذهبي فاذكريهما عليّ.
فجاءت فدخلت بيت أبي بكر فوجدت أم رومان أم عائشة رضي الله عنهما، فقالت: "يا أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة! أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: وددت، انتظري أبا بكر فإنه آت، فجاء أبو بكر فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة! أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، فقال: هل تصلح له؟ إنما هي بنت أخيه. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: ارجعي إليه فقولي: أنت أخي في الإسلام وأنا أخوك، وابنتك تصلح لي، فأتت أبا بكر فقال: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فأنكحه.
وهكذا دخلت عائشة التاريخ من أوسع أبوابه. عاشت في بيت النبي زوجة كريمة محبوبة، وشاهدة ذكية على ميراث النبوة تقتبس وتحفظ وتستوعب كل ما ترى.. لتكون بعد ذلك شاهد صدق ووزير خير ومعلّما لكل من أراد أن يتعرف على أحوال النبي في بيته وأهله.
عائشة الزوجة الحبيبة:
ولم يحب الرسول الكريم امرأة حُبها. وما تزوج صلى الله عليه وسلم بكراً سواها، أحبها حباً شديداً ، حتى أن عمرو بن العاص سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة: قال: فمن الرجال؟ قال أبوها . وقال صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام أفضل" . وهكذا أحب أفضل رجل من أمته ، وأفضل امرأة من أمته.
وقال صلى الله علية وسلم لأم سلمة: يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها.
وحدثنا أبو سلمة، أن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، هذا جبريل وهو يقرأ عليك السلام، قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى يا رسول الله.
ومن الفضائل التي تحسب لأمنا السيدة عائشة - رضي الله عنها - كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - طلب أن يُمَرَّضَ في حجرتها لتقوم هي بتمريضه حتى يتوفاه الله، فكان ذلك ثم مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتها وهو بين سحرها ونحرها.
عائشة - رضي الله عنها - القانتة الخائفة:
كانت أم المؤمنين من أشد الناس خشية من الله، فإذا مرت بآية فيها تخويف من النار ارتعدت وبكت وتضرعت وطلبت النجاة، وإذا مرت بآية فيها تشويق إلى الجنة ركنت إليها، ومن الأحاديث النبوية التي تدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والحاكم وأبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - أن رأس النبي كانت في حجرها فبكت حتى سقطت دموعها على خده فقال لها: ما يبكيك يا عائشة؟ قالت ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أما في ثلاثة مواطن: فلا يذكر أحدٌ أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال هاؤم اقرأوا كتابيه حتى يعلم أين يقع كتابه؛ أفي يمينه أم في شماله أو ومن وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حافتاه كلاليب "الخطاف" كثيرة وحسبك كثير يحبس الله به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا".
وقال عروة: فما كانت عائشة تستجد ثوبًا حتى ترقع ثوبها وتنكسه، وكانت تقول - رضي الله عنها - والله لوددت أني كنت شجرة، والله لوددت أني كنت مدرة "حجرًا" والله لوددت أن الله لم يكن خلقني شيئًا قط، وهكذا شأن القلوب العامرة بالإيمان تبكي خوفًا من الله وتدعوه.
السيدة عائشة - رضي الله عنها - العابدة الزاهدة:
رغم أن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تزوجت النبي صغيرة في سن مفطور على اللهو واللعب والتمتع بالحياة، إلا أنها شغلت نفسها بمعالي الأمور والتضحية بملذات الدنيا مدركة أنها زوجة نبي فكانت متعتها أن تهب نفسها لله وطاعة نبيه معرضة عن الدنيا، ومن زهدها - رضي الله عنها - أنها كانت تصوم الدهر ولا تفطر إلا يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مسروق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت ما شبعت بعد النبي من طعام إلا ولو شئت أن أبكي لبكيت، ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض"، وذلك لإدراكها أن كثرة الطعام يقعد الإنسان عن العبادة ويمنع الحكمة ويقطع الفكرة، أما السكن فكان البيت من الطوب اللبن، والسقف من الجريد، والفرش حصيرًا، ولم تتغير حينما فتح الله على المسلمين بالغنائم، وامتلأت الخزائن ومفاتحها بيده - صلى الله عليه وسلم - لكن عائشة كانت قدوة للناس في الزهد حتى لا يتفاخروا ولا يتكاثروا، كل ذلك ولم تدفع مرارة الجوع عائشة إلى السخط، رغم يقينها أن الله لو أراد لجعل الجبال لنبيه ذهبًا ولكنه وأهله آثروا الحياة الآخرة على الدنيا وصبرت معه راضية زاهدة دون شكوى أو ضجر بل وعلت حلاوة الإيمان على مرارة الجوع.
السيدة عائشة - رضي الله عنها - الجوادة الكريمة:
كانت عائشة - رضي الله عنها - مثالاً في الكرم والجود، وأعطت المثل الأعلى في الجود بالموجود عن طيب خاطر ونفس طيبة ابتغاء مرضاة الله، فكانت تطيب الدرهم بالمسك قبل أن تتصدق به لأنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد السائل.
وكانت الدنيا عند أم المؤمنين أهون من أي شيء، ولا يجتمع إيمان وبخل في قلب مؤمن أبدًا لأن الدنيا في يده وليست في قلبه وحبها لله أعظم من المال، والذين آمنوا أشد حبًا لله وعن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - قال: "ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمت، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئًا لغد".
وكانت إذا أرسل إليها معاوية - رضي الله عنه - مالاً وعطايا فتنظر إليه فتجده سخيًا تبكي وتقول: "لكن رسول الله لم يكن يجد هذا ثم تفرقه كله ولا تدخر منه شيئًا لنفسها".
أخرج أبو نعيم في الحلية عن أم ذرة قالت: بعث إليها ابن الزبير بمال: أراه ثمانين أو مائة ألف.. فجلست تقسم بين الناس فأمست وما عندها من درهم ولم تجد ما تفطر عليه وهي صائمة يومها إلا الخبز والزيت، وعلقت أم ذرة قائلة أما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم نفطر عليه؟ قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت! لقد نسيت نفسها وآثرت بهذا المال غيرها، وهكذا المؤمن ينشغل بغيره عن نفسه ورغم أن عمرها حينما توفى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر عامًا إلا أنها لم تفتن وظلت كريمة عالية الهمة معطاءة لم تدخر شيئًا زاهدة خاشعة متبتلة لربها حتى توفيت - رضي الله عنها -.
السيدة عائشة - رضي الله عنها - العالمة الفقيهة:
دخلت عائشة بيت النبي وهي صغيرة، فترعرعت في مهبط الوحي، ومنبع العلم تغرف منه ما شاء لها ذكاؤها وعبقريتها، وتأثرت بهدي رسول الله فنشأت مجتهدة في دينها وعبادتها، وكان الرسول حفياً بها يعلمها، ويعني بها، ويخرج بها في مغازيه، وكانت أخبر الناس بتاريخ الرسول والمسلمين، كما كانت أعلم الناس بجاهلية العرب.. فلم ينتقل الرسول إلى جوار ربه حتى خلَّفها مرجعاً وحجة يلجأ إليها الكبار والصغار متعلمين مستفتين.
كان الناس يرون علم عائشة قد بلغ ذروة الإحاطة والنضج في كل ما اتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه. كانت في المدينة مع الفقهاء الكبار كعبد الله بن عمر وأبي هريرة وابن عباس في مقام الأستاذ من تلاميذه. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحيل عليها كل ما تعلق بأحكام النساء أو بأحوال النبي البيتية، لا يضارعها في هذا الاختصاص أحد من النساء على الإطلاق.
طار صيتها في التمكـن من العلم، ورجع إلى قولها كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير. وقد نقل عنها وحدها ربع الشريعة على ما يقول الحاكم في مستدركه.
وقد ألّف بدر الدين الزركشي كتاباً قصره على موضوع واحد هو استدراكات السيدة عائشة على الصحابة أسماه (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) وقال في مقدمته: (هذا كتاب أجمع فيه ما تفردت به الصديقة أو خالفت فيه سواها برأي منها أو كان عندها سنة بينة، أو زيادة علم متقنة، أو ما أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أجلة من أعيان أوانها، أو حررته من فتوى، أو اجتهدت فيه من رأي رأته أقوى. وأورد الزركشي استدراكها على ثلاثة وعشرين من أعلام الصحابة مثل عمر وعلي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم. وبلغ عدد استدراكاتها تلك تسعة وخمسين).
هذه ثقافتها في بيت الرسول أما ما حملته من بيت أبيها الصديق فإحاطة واسعة بالأخبار والأشعار وأيام العرب وأنسابها ومفاخرها.
ورسخت لها هذه المنزلة في العالم الإسلامي حينئذ، وانفردت بها دون غيرها من النساء والرجال. ولنقرأ معا ما كتب عنها الذهبي في كتابه سير النبلاء :
1-عن أبي بردة عن أبيه قال: ما أشكل علينا أصحابَ محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما.
2- قال الزهري: لو جمع علم الناس كلهم وأمهات المؤمنين لكانت عائشة أوسعهم علما.
3- قال مسروق: والله لقد رأيت أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.
4- قال عروة بن الزبير لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من فقهك أقول: زوجة نبي الله وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب، من أين هو؟ قالت عائشة: (أي عريّة، إن رسول الله كان يسقم عنـدي آخر عمـره، وكانـت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثمّ). وكنت أمرض فينعت له الشيء، ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه.
5- قال معاوية: والله ما سمعت قط أبلغ من عائشة ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد أعد النبي صلى الله عليه وسلم عائشة لتكون خير مصدر يرجع إليه المسلمون من بعده. كانت عائشة شابة لها من الذكاء والفطنة وقوة الذاكرة ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يطمئن على الكثير مما سيتركه لديها من تراث عظيم.
لقد كان في نزول الوحي على النبي وهو في بيت عائشة دون غيرها من نسائه، إشارة لها بأن تتجه بكل كيانها إلى تفهم رسالة زوجها العظيمة، لتؤدي دورها في إرشاد المسلمين من بعده. فأخذ عنها المسلمون في عهد أبي بكر، واستشارها العلماء والفقهاء في عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية..
ونتيجة لعلمها وفقهها أصبحت حجرتها المباركة وجهة طلاب العلم حتى غدت هذه الحجرة أول مدارس الإسلام وأعظمها أثر في تاريخ الإسلام. وكانت (رضي الله عنها) تضع حجاباً بينها وبين تلاميذها، وذلك لما قاله مسروق((سمعت تصفيقها بيديها من وراء الحجاب)).
السيدة المفسرة المحدثة:
كانت السيدة عائشة (رضي الله عنها) عالمة مفسرة ومحدثة، تعلم نساء المؤمنين،ويسألها كثير من الصحابة في أمور الدين،فقد هيأ لها الله سبحانه كل الأسباب التي جعلت منها أحد أعلام التفسير والحديث. وإذا تطرقنا إلى دورها العظيم في التفسير فإننا نجد أن كونها ابنة أبو بكر الصديق هو أحد الأسباب التي مكنتها من احتلال هذه المكانة في عالم التفسير، حيث أنها منذ نعومة أظافرها وهي تسمع القرآن من فم والدها الصديق، كما أن ذكائها و قوة ذاكرتها سبب آخر،ونلاحظ ذلك من قولها:(( لقد نزل بمكة على محمد وإني لجارية ألعب (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده)) ، وقد جمعت (رضي الله عنها) إلى جانب ذلك كل ما يحتاجه المفسر كقوتها في اللغة العربية وفصاحة لسانها و علو بيانها.
كانت السيدة تحرص على تفسير القرآن الكريم بما يتناسب وأصول الدين وعقائده، ويتضح ذلك في ما قاله عروة يسأل السيدة عائشة عن قوله تعالى(( حتى إذا استيأس الرسل و ظنوا أنهم قد كُذِبُوا جاءهم نصرنا...)) قلت: أ كُذِبُوا أم كُذِّبُوا؟ قالت عائشة: كُذِّبُوا، قلت: قد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري قد استيقنوا بذلك، فقلت لها:وظنَّوا أنهم قد كُذِبُوا؟ قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن اتباعهم قد كذَّبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك)).
أما بالنسبة لروايتها للحديث فقد امتازت عن بقية الرواة بأن معظم الأحاديث التي روتها قد تلقتها مباشرة من النبي كما أن معظم الأحاديث التي روتها كانت تتضمن على السنن الفعلية. ذلك أن الحجرة المباركة أصبحت مدرسة الحديث الأول يقصدها أهل العلم لزيارة النبي ، وتلقي السنة من السيدة التي كانت أقرب الناس إلى رسول الله، فكانت لا تبخل بعلمها على أحدٍ منهم، ولذلك كان عدد الرواة عنها كبير.
كانت (رضي الله عنها) ترى وجوب المحافظة على ألفاظ الحديث كما هي. ولذلك كان بعض رواة الحديث يأتون إليها ويسمعونها بعض الأحاديث ليتأكدوا من صحتها، كما إنهم لو اختلفوا في أمر ما رجعوا إليها .ومن هذا كله يتبين لنا دور السيدة عائشة و فضلها في نقل السنة النبوية ونشرها بين الناس، ولولا أن الله تعالى أهلها لذلك لضاع قسم كبير من سنة النبي الفعلية في بيته عليه الصلاة و السلام .
عائشة وقضية المرأة:
كانت عائشة رضي الله عنها زعيمة الآخذين بناصر المرأة، والمنافحين عنها بلا منازع. وإليها كانت تتطلع أبصار المستضعفات لما تمّ لها من المكانة الكبيرة في العلم والأدب والدين. وإليها يرجـع الفضـل الأكبر - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في إعظام الناس المرأة الإعظام اللائق، حتى ظهر كثير من اللائي طمحن إلى اقتفاء أثرها في الشجاعة الأدبية والجرأة.
فإذا أحبت النساء أن يسألن من علم.. أو يبحثن عن مسألة.. توجهن إلى عائشة.. وإذا أحست المرأة بظلم زوجها.. جاءت عائشة تستفتيها وتطلب نصرتها..
وفاتها:
توفيت السيدة عائشة (رضي الله عنها) وهي في السادسة و الستين من عمرها، بعد أن تركت أعمق الأثر في الحياة الفقهية و الاجتماعية والسياسية للمسلمين. وحفظت لهم بضعة آلاف من صحيح الحديث عن رسول.
وقد عاشت السيدة بعد رسول الله لتصحيح رأي الناس في المرأة العربية ، فقد جمعت (رضي الله عنها) بين جميع جوانب العلوم الإسلامية ، فهي السيدة المفسرة العالمة المحدثة الفقيهة. وكما ذكرنا سابقاً فهي التي قال عنها رسول الله أن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، فكأنها فضلت على النساء.
كما أن عروة بن الزبير قال فيها:((ما رأيت أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة))، وأيضا قال فيها أبو عمر بن عبد البر:(( إن عائشة كانت وحيدة بعصرها في ثلاثة علوم علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر)).
وهكذا فإننا نلمس عظيم الأثر للسيدة التي اعتبرت نبراساً منيراً يضيء على أهل العلم وطلابه، للمرأة التي كانت أقرب الناس لمعلم الأمة وأحبهم، والتي أخذت منه الكثير وأفادت به المجتمع الإسلامي.فهي بذلك اعتبرت امتدادا لرسول الله