من رحم الدعوة إلى المساواة وُلدت الدعوة إلى الاختلاط ...
وفي طرفة عين تداعت الحواجز وأزيلت الحجب ، وانطلقت المرأة في مؤسسات التعليم والعمل ، والشوارع ، والأسواق ، والنوادي ، وأماكن التجمعات العامة والخاصة ؛ لتخالط الرجال دون تحفظ أو خجل أو حياء . ولم يسأل أحدٌ نفسه عن الاختلاط الضروري وغير الضروري ، بل أصبح الاختلاط في ذاته مطلباً لا يُستغرب من حدوثه بل يستغرب من عدم حدوثه ؛ حتى أصبح الاختلاط هو العنوان الزائف للرقي والحضارة والتقدم ، وأصبح المعترضون عليه ـ وهم حينئذٍ قليل ـ يُتهمون بالتخلف والجهل والرجعية .
والآن ظهر لهؤلاء أن مخالفة الفطرة لا تأتي بخير ، وأن إخراج المرأة من بيتها ودفعها للاختلاط (الاعتباطي) كان وبالاً على المجتمع كله وليس على المرأة فحسب ، وبدأ المفكرون والمثقفون في الغرب _ رجالاً ونساءً _ يدقون ناقوس الخطر ، ورأينا جمعيات حقوق المرأة التي كانت رأس الحربة في الدعوة إلى ما يُسمى (المساواة) تتحول إلى مناهضة الاختلاط ، بل وتدعو إلى عودة المرأة إلى بيتها عودة خالصة لا تخرج منه إلا للضرورة القصوى ... فلماذا يتراجعون الآن .
من سجلات الواقع ، ونتائج الدراسات ، وملخصات دفاتر الأخبار ، وشهادات عقلاء الكتاب والباحثين نرصد الحقائق التالية في عدد من البلدان الغربية:
فرنسا : أثمر الاختلاط عن زيادة نسبة التحرش الجنسي بالمراهقات داخل الأبنية التعليمية ، وتضاعفت نسبة الرسوب بين البنين ، وفسد المناخ السائد بين الجنسين وأصبحت لغة العنف والاعتداء هي اللغة الأكثر تداولاً فيما بينهم ، حتى نادى (ميشيل فيزا) أحد كبار الأخصائيين الاجتماعيين إلى ضرورة فتح فصول خاصة غير مختلطة .
انجلترا : حذرت الكاتبة الإنجليزية (الليدي كوك) من أخطار اختلاط النساء بالرجال فقالت : "على قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنى ... لقد دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج من حمل الزنى يتعاظم ويتفاقم حيث يكثر اختلاط النساء بالرجال..علموهنَّ الابتعاد عن الرجال ، أخبروهنَّ بعاقبة الكيد الكامن لهنَّ بالمرصاد." وصرخت الكاتبة ( أنارود ) قائلة: "إنه لعار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال" .
أمريكا : أثبتت التجارب والمشاهدات الواقعية أن اختلاط الرجال بالنساء يثير في النفس الغريزة الجنسية بصورة تهدد كيان المجتمعات ، وهو ما ذهب إليه ( د. كارليل ) في كتابه ( الإنسان ذلك المجهول ) ، وقد ورد في إحدى تقارير لجان الكونجرس الأمريكي عن تحقيق جرائم الأحداث ، أن من أهم أسباب هذه الجرائم هي الاختلاط بين الجنسين . وتقول الصحفية الأمريكية (هيليان ستانبري) : "أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم ، امنعوا الاختلاط ، وقيدوا حرية الفتاة ، بل ارجعوا لعصر الحجاب ، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوربا وأمريكا ، امنعوا الاختلاط ، فقد عانينا منه في أمريكا الكثير ، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعـًا مليئـًا بكل صور الإباحية والخلاعة ، إن ضحايا الاختلاط يملؤون السجون ، إن الاختلاط في المجتمع الأمريكي والأوروبي ، قد هدد الأسرة وزلزل القيم والأخلاق " .
ومن العجيب أن التعليم المختلط الذي كافحت المرأة كفاحاً مريراً لتحقيقه ، كان سبباً في تدهور قواها الذهنية والنفسية ؛ فقد أكدت الكثير من الأبحاث أن المدارس المختلطة تلعب دورًا كبيرًا في تحطيم تقدير الفتاة لذاتها وثقتها بنفسها ، ناهيك عن التحرش الجنسي الذي تعانيه الفتيات في المدارس المختلطة ؛ فقد ذكرت الدراسات أن 20% من الفتيات تعرضن للاعتداء الجنسي والجسدي في المدارس، وأن 80% منهن تعرضن لمحاولات تحرش جنسية.
كل هذه الويلات جعلت الباحثين يلتفتون مجددًا للمدارس غير المختلطة ، والتي بقي منها في أمريكا حوالي (ثلاثمئة) مدرسة كلها خاصة ، لعلهم يجدون فيها حلًا للمشاكل الكثيرة التي أفرزها التعليم المختلط . فدرسوا أداء الفتيات في المدارس المخصصة للفتيات . وكم كانت النتائج مدهشة! ففي دراسة أجريت عام 1986 بواسطة "لي وبيرك" أظهرت أن الفتيات في المدارس الخاصة بالبنات كن أكثر إيجابية فيما يخص التعليم عمومًا ، وعبرن عن اهتمام أكبر بالرياضيات ، وأظهرن اهتمامًا أعظم بالعلوم ، وكان عندهن أهدافًا تعليمية أكبر من الفتيات اللاتي في المدارس المختلطة.
كما أظهرت دراسات أخرى قام بها لي وماركس في عام 1990م عن مستويات أعلى من احترام الذات بين الفتيات في المدارس غير المختلطة ، ونظرات أقل نمطية عن دور النساء في العمل ، وعند القيام بدراسات مقارنة بين المؤسسات المختلطة وغير المختلطة لوحظ انخفاض معدلات الغياب في المؤسسات غير المختلطة وارتفاع الدرجات في كثير من الامتحانات ، كما أن معدلات التسجيل زادت في الوقت الذي انخفضت فيه حالات الحمل المبكر... كما أشارت دراسات أخرى إلى أن التعليم المختلط يدفع الطلبة إلى الاهتمام المبالغ فيه بالمظاهر والأزياء ، وعدم الاهتمام بقيمة الإنسان وما في داخله من خير، أما في التعليم غير المختلط فقد وجدوا أن اهتمام الطالب أو الطالبة يتحول إلى أمور جوهرية أخرى ، إضافة إلى المظهر، وكذلك الحال في النشاطات الرياضية والترفيهية غير المختلطة.
وأمام هذه الأدلة بدأت أمريكا والغرب عامة بالتنبه لأهمية العودة للتعليم غير المختلط ؛ فارتأت إدارة بوش عام 2002م تخصيص ميزانية كبيرة تزيد على (ثلاثمائة مليون دولار) لتشجيع التعليم غير المختلط وإنشاء مدارس خاصة بالبنين وأخرى للبنات . كما بدأت الكثير من المدارس المختلطة تحت ضغط الأهالي تفتح في مدارسها فصولًا خاصة للبنين وأخرى للبنات.
ويحق لنا هنا أن نسأل : هل حقق الاختلاط نتائجه المزعومة وثماره المرجوة التي دعا إليها أنصاره من قبل ؟؟ هل تمكنت المجتمعات المختلطة من تهذيب أبنائها ، وتجنيبهم العقد النفسية والذهنية أو والوقوع في براثن الكبت والتخلف ؟؟ أم أن هذا الاختلاط كان سبباً في إطلاق الشهوات الحيوانية والغرائز البهيمية التي أدت إلى ارتفاع جرائم الزنا وهتك الأعراض وحوداث التحرش ، حتى سجلت بعض الإحصائيات في عام واحد في أمريكا أن 120 ألف طفل أنجبتهم فتيات بصورة غير شرعية لا تزيد أعمارهن على العشرين ، وأن كثيرا منهن طالبات في الجامعة ، وأن عائلة من كل عشرة عائلات في أمريكا انتشر فيها زنا المحارم بين الأخوة والأخوات والآباء والبنات ... وقيل إنهم من أكبر العائلات المحترمة؟
هذا هو الواقع الذي يَرد بقوة على كل من يدعو إلى الاختلاط
ونحن في النهاية لا نريد أن نُقيم مجتمعاً للنساء وآخر للرجال لا يلتقيان فيه ، ولا نريد أن نقيم مجتمعا مبتذلاً تختلط فيه النساء بالرجال بلا حجاب أو حاجز ، ولكننا نريد مجتمعًا يعيش فيه الجميع بلا فتنة ولا ريبة ، تتحرك المرأة فيه بلا حرج أو خوف وفق الضوابط الشرعية . وتصبح الضرورة هي الموجب للخروج ، ونعني بالضرورة ما ألمح إليه القرآن الكريم على لسان ابنتي شعيب عليه السلام حين قالتا : {لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} فهو خروج ضروري لا اختلاط فيه ولا زحام ، ولا فتنة فيه ولا إغراء ... خروج تحترم فيه المرأة عفتها وحرمتها ؛ لتحفظ على الرجل عفته وأخلاقه ؛ فيصبح مثل موسى عليه السلام رجلاً حقيقياً يرى في المرأة أختاً له يساعدها ، لا فريسة يقتنص