يوم جديد من أيام حياتي بين الجدران الأربعة..يوم جديد من أيام الملل والسأم والرتابة ، فأنا هنا حبيسة هذه الجدران التي تلازمني أينما ذهبت ..أينما حللت ..أينما وجدت..
جدران حجرتي..جدران المنزل ..جدران السيارة ..جدران الفصل المدرسي..ثم جدران بيوت الأخوال والأعمام في الأجازات..
سئمت .. مللت.. تعبت .. كرهت مشهد هذه الجدران ..كرهت تطاولها واستقامتها وتلاقيها مع بعضها في الأركان والزوايا..هل ستمضي حياتي كلها بين الجدران..
-السلام عليكم..
نعم يحق لك أن تضحك ..وتملأ الابتسامة وجهك البشوش دائماً ..ولم وأنت أخي الأكبر.. ولم لا وقد خلقت ذكراً ، لك الحق في الذهاب والإياب والخروج وقتما شئت وأينما شئت..إلى الجامعة ..إلى النادي لممارسة رياضتك المفضلة.. إلى المتنزهات برفقة أصدقائك أنت وحدك تنعم بكل هذه النعم ..وأنا وحدي أحرم من كل هذه المزايا والمميزات ..أنت وحدك يحق لك اختراق هذا السجن.. تحطيم ذلك القيد.. العيش حراً طليقاً بعيداً عن الجدران الأربعة.......أنت وحدك.....
- "وقرن في بيوتكن" ، أتدرين يا أخواتي إن لهذه الآية معنىً عميقاً ودلالةً رائعة لو فهمتها كل امرأة لأدركت حكمة التوجيه الرباني لها ومدى تكريمه لذاتها كامرأة ..إن الإسلام يعطي المرأة الحرية الكاملة ولكن ليست الحرية التي تنتهك قداستها أو تبتذل مكانتها أو تعري خصوصيتها كامرأة أمام القاصي والداني..
إنها كيانٌ جميلٌ رقيقٌ رائعٌ مقدس لابد أن يحاط بكل عناية واحترام ..وأمر "وقر" من يقر أي يثقل ويستقر وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت دون مغادرة لها على الإطلاق إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياة المرأة ، وهو المقر وما عداه استثناء طارئ لما تقتضيه الضرورة.. ولكن هذا الأمر مقرون بعدة أوامر أخرى: وأقمن الصلاة وآتين الزكاة... واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة..
فإنه عز وجل إن كان يوجه المرأة بالحرص على التحصن في بيتها..فإنه يفتح بوابة المعرفة الواسعة أمامها لتنهل منها ما تشاء..فهو إن كان غلقاً لبوابة الفتن التي يمكن أن تحيط بالمرأة بكثرة الخروج والدخول والاحتكاك بالغرباء خارج بيتها.. فهو فتح لبوابة سعة العلم والاغتراف من كنز الحسنات بإقامة الشعائر ومدارسة العقيدة والحكمة من وراء كل أمر ونهي فيها مما يجعل بيت المرأة الصغير المحاطة به جنةً من جنان الله في الأرض..فهل حرمك الإسلام من شيء؟؟ إن الأمر يستلزم منك فقط رؤية نافذة لحقائق الأمور....
- وكأنها شيخ في حلقته ..أو خطيب على منبره ..إنها لا تمل من تقمص دور الداعية أو المصلح الاجتماعي أو الخطيب المفوه...هكذا هي زميلتي التي أوجعت رأسي بحديثها..اعترف أن الكثيرات قد انجذبن إليها وتغيرن على يديها على أثر شخصيتها الودودة والتزامها الواضح في ردائها وسلوكها وتفوقها الملموس وأنشطتها المتنوعة.. ولا أدري كيف تجد وقتاً لكل هذا ..الاجتهاد في الدراسة ، القراءات العامة التواصل بصديقاتها ورفيقاتها في أفراحهم وأتراحهم ، رغم أنها -كما تقول- لا تكاد تفارق منزلها..ولا تحب الخروج وكثرة الانتقالات فكيف تحقق هذه المعادلة !!!؟؟؟
- يا أختي الصغيرة إن حياتي تختلف عنك لا لأنني أتميز عنك في شيء ولكن لأن مسؤولياتي تختلف عن مسؤولياتك.. والتزامات حياتي تختلف عن التزاماتك ..يوما ما سأكون رباً لأسرة يجب علي قيادتها ورعاية شئونها في الخارج والداخل..وقد تجديني أنت في حاجتك يوماً ما إذا طلبتني ولن أتأخر عنك وقتها..يجب أن أتهيأ لمثل هذا الدور وتتعدد علاقاتي واحتكاكي بالخارج.. وبقدر ما أحصِّل من منفعة بقدر ما أتعرض للمشكلات والأزمات.. ليست حياتي كلها متاعاً ولعباً ولهواً بل هي مسؤوليات أرجو أن تفهمي.. مسؤوليات..
أنت هنا لديك عالمك الخاص وما يعينك على أداء دورك ومهمتك في المستقبل كزوجة وأم.. فلماذا لا تبحثين عن نفسك داخل عالمك أؤكد لك أنك ستكتشفينه رحباً واسعاً ولكن ابحثي حاولي......
- كاللؤلؤة داخل الأصداف.. كالجوهرة الغالية في حلتها القطيفية..كالنواة في قلب الذرة وقلب كل خلية حية ..لأنك سر الحياة يا صديقتي.. ومنك وفيك تبدأ وتنبت الحياة.. لذا فقد اختصك الله بنعمة القداسة والحرمة وحفك بالحجاب..حجابك هو لباسك الساتر ..لأنك أغلى وأعلى وأذكى من أن تمتهنك الأعين وتبتذلك النظرات...ليس قيداً ولا كبتاً ولا أمراً للتضييق عليك بل حفظاً وشرفاً وتاجاً يعلو جبهة عفتك وصفاء نفسك..وتذكري أنه حجاب وليس احتجاب..
- من أين لها بكل هذه المعلومات وكيف تفتَّح وعيها وعقلها إلى هذا الحد!!؟؟ ..أنا لا أملك في قرارة نفسي إلا الإعجاب بها ..وإن كانت كلماتها وحديثها لا يروق لي ..لكن من أين لها بكل هذا!!!؟؟؟
- لديك الحاسوب يا أختاه تجولي ما شئت في المواقع الهادفة ..اشتركي في منتديات نسائية..طالعي جديد المشاركات والإبداعات...تابعي قضايا أمتك وشئون دينك ..شاركي بقلمك ورأيك وفكرك وإبداعك ..لديك كتبك ومكتبتك لديك حلقة المسجد الأسبوعية.. لديك النادي الثقافي والأدبي.. لماذا لا تقتحمين هذا العالم ..وهو مفتوح أمامك..لماذا تشترطين فقط الذهاب والإياب والاختلاط لتعرفي الدنيا وما فيها ..أختاه قد تفعلين كل هذا ولا تبصرين من العالم إلا وجهاً واحداً أو زاويةً واحدةً.. عالمك واسع فلماذا لا تتوغلين فيه وتكتشفينه.. لكنك تكتفين فقط بالحسرة والألم على ما يملكه غيرك ولا تملكينه.........
- الكل يعترض على كلماتي وعلى أسلوبي وعلى طريقتي في التفكير.. لماذا لا يعترفون أنني مللت هذه الحياة.. مللت هذا الحائط وذلك الكرسي وهذه المكتبة.. مللت هذه الجدران المحيطة.. مللتها سئمتها كرهتها كرهتها كرهتها...................
..................
- الآن لم يعد غيرك من يقدر على إدارة دفة الحياة.. رحل أبوك وسافر أخوك وأنت الآن المنوطة بإدارة شؤون الأسرة خارج البيت..أعلم يا ابنتي الغالية أنك ما زلت صغيرة ولكن حالتي الصحية لا تساعدني على الخروج ومهمات أخوتك داخل المنزل تمنعني عن ذلك ..كما أنك طالما تمنيت وحلمت أن تقومي بمثل هذه المهمام الثقيلة ..طالما تمنيت أن تحملي عبء إدارة الحياة والخروج من النطاق الضيق أو عالم الجدران الأربعة كما أسميته أنت ..ها هي الفرصة قد سنحت لك ولم يعد لنا الآن غيرك..فانهضي لأداء مهامك...
- ربااه كيف تخطت بي الأيام كل هذه الحواجز..كيف تخطيت عالمي وبات على بكل قوة أن أخوض عالمي الجديد.. لقد خرجت خرجت بالفعل وتحطمت الجدران الأربعة من حولي.. أنا الآن حرة طليقة أفعل ما أشاء واختلط بالبشر كيفما أشاء..و..ولكن مهلاً إن الأمر له وجه آخر .. إن أمي تحدثني عن أعباء ومسؤوليات ومهام تنتظرني..إنها تحدثني عن عملي الجديد كمشرفة حضانة لأساهم في دخل الأسرة.. تحدثني عن الوفاء بحاجيات المنزل.. تحدثني أن علي أن إكمال دراستي.. تحدثني عن مسؤوليات عديدة ومهام صعبة علي أن أتحملها مقابل ذلك..!!ليس مهم المهم أنني خرجت من عالمي الضيق.....
- لقد مضت الأيام والشهور..أشعر أن حياتي تتسرب من يدي ..في الصباح دراسة.. وفي الظهيرة عمل.. وبعد انتهاء يوم عملي أخرج لشراء حاجيات الأسرة وأعود محملة بجهدي وعرقي وتعبي..لا أكاد أركن للراحة إلا ساعات ..لا أكاد أرى حجرتي إلا دقائق قبل أن أغفو من التعب لا أكاد ..ألمح مشهد الجدران الأربعة لأن التعب قد استبد بي..
- إنها مسؤولية.. متاعب.. مشقة.. إنه عبءٌ كبير ألقي فوق كاهلي ..كل شيء قاسٍ ومتعب: زحام الطرقات.. قسوة لهيب الحرارة.. سخافات بعض المارة.. طنين صوت المعلمة في الصباح.. صيحات الأطفال في العمل نداءات الباعة في الأسواق..حملي ثقيل كبير شديد على نفسي.. كيف كنت وكيف أصبحت لقد تبدلت حالي ..شغلت عن نفسي وعن الاهتمام بذاتي.. اخشنَّت يداي.. تغير لون بشرتي.. فقدت الكثير من وزني بل والكثير والكثير من راحة نفسي وهدوء بالي وسبحات خواطري.. بت أنظر بعين الحسد لكل فتاة معلقة في يد أبيها يشتري لها ما شاءت ..كل امرأة يحمل عنها زوجها الحقائب الثقيلة.. كل أم يمسك ابنها بيدها لتعبر الطريق في أمان.. كل سيدة تجلس بجوار زوجها في السيارة يتولي هو مهمة القيادة ويتجشم متاعبها وتفرغ هي لمداعبة ولدها الصغير المتعلق برقبتها..ما أسعدكن وما أروع عالمكن وسعادة هدوء خواطركن.. أين أنا منكن وأين أنتن مني..؟؟؟؟؟؟
- أين أنا في كل هذا.. أين أحلامي الجميلة.. أين لحظات السعادة العذبة.. أين كتبي أين مكتبتي وحاسوبي أين صديقاتي أين زميلتي القديمة ..أين هي الآن؟؟ لقد أدركت صدق قولها ، وصواب رأيها ، وسلامة فطرتها.. أين كلماتها العذبة "وقرن في بيوتكن".. "كاللؤلؤة في الأصداف".."كالنواة في قلب الخلية" أين هي الآن أريد أن ألقاها أن أبكي بين يديها أن أخبرها أنها كانت محقة صادقة عاقلة ..أريدها.. أريد منزلي.. أريد حجرتي. أريد.. نعم أريد الجدران الأربعة...الجدران الأربعة..
...............................
- ابنتي استيقظي ..ماذا بك هل كان حلماً مزعجاً يا درتنا الغالية..
- أبي أنت بخير حمداً لله لقد كان حلماً مزعجاً حقاً.. حمداً لله أنا لا زلت هنا في عالمي في منزلي بين الجدران الأربعة .. حمداً لله...