كتبت إحدى الأخوات تقول::
مكثت مليًّا أفكر، وأنا في طريق عودتي من زيارة صديقة لي في قولها وهي ترحب بي: (ده احنا زارنا النبي)، وألحَّت عليَّ الخواطر والأفكار، ووجدّتُني أتساءل: تُرَى ماذا لو زارنا النبي- صلى الله عليه وسلم- بالفعل؟؟ وماذا عساه أن يرى؟ وهل يرضى ويسعد بما نحن فيه وعليه؟ أم يسخط وينفر ويبرأ منا؟
وماذا لو علم المسلمون بأمر هذه الزيارة؟ وكيف سيكون وقع الزيارة عليهم؟ هل ستتملكهم مشاعر الحب والشوق والسعادة؟ أم ستسيطر عليهم مشاعر الخوف والاضطراب والاستحياء والخزي والندامة؟
يا إلهي!! ماذا نفعل؟ الحبيب المصطفى في بلدنا؟!
وسرحَت بي الأحلام والآمال.. إني أعتقد أن زيارةً واحدةً للحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- كافيةٌ أن تغير فينا الشيء الكثير .
ولكن ماذا لو زار النبي- صلى الله عليه وسلم- بلادنا زيارةً حقيقيةً.. ماذا سيحدث؟ أتصور وأحسب أن الأحوال ستتبدل، سوف ينتاب الأكثرين حالةً من الاضطراب والحسرة، وتنهمر الدموع أنهارًا تجري ندمًا على ما فات.
سيسرع الناس إلى الشوارع لتنظيفها وزرع الأشجار على جانبيها، لعل النبي- صلى الله عليه وسلم- يمر بها، وينادي المسلمون بعضهم البعض: هلمَّ سريعًا ننظف شوارعنا.. وأفنية بيوتنا.. كما أمرنا الحبيب- صلى الله عليه وسلم.. والبعض سيتخلص من الكثير من المقتنيات والكماليات الزائدة في منـزله حتى لا يلحظها النبي- صلى الله عليه وسلم..
البعض سوف يغلق التلفاز سريًعا عن الأغاني والأفلام والمسلسلات الهابطة، ويفتح المذياع على القرآن الكريم، أو يستمع إلى حديث ديني على شرائط الكاسيت.. وسوف ينادي الرجل زوجته: كيف يراك النبي- صلى الله عليه وسلم- وأنت على تبرجك هذا؟! عليك بالحجاب فورًا.. ويقول لأولاده: هيا سريعًا يا أولاد.. تعالوا.. من منكم يحفظ سورًا من القرآن الكريم، فربما يطلب الرسول- صلى الله عليه وسلم- منكم قراءة شيء مما تحفظونه.
ويقول آخر: الآن سأذهب لجيراننا أطلب منهم أن يسامحوني، وأن ينسوا كل ما كان بيننا من خصام، وناوليني يا أم الأولاد المحفظة لأُخرِج للفقراء زكاة مالي.. وأنت يا بنيَّ.. اذهب بسرعة وانزع صور من تسميهم فنانين من حوائط غرفتك، ألا تخجَل من نفسك، هيَّا مزقها وألقِ بها في سلة المهملات.
وفي الجامعة.. ماذا سيكون رد فعل الطلبة والطالبات؟ وكأني أرى مجموعةً من الفتيات يهرولن ويصرخن: الرسول- صلى الله عليه وسلم- قادم!! ما هذا الذي نرتديه؟ هيا سريعًا نزيل هذه الأصباغ، يا ليت أمنا لم تلدنا، كيف نتصرف؟ هل نغطي أجسامنا، أم شعرنا، أم وجوهنا، يا ليت الأرض تنشق وتبتلعنا، وكيف نمحو رائحة هذا العطر الذي يفوح من أجسادنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، إنا تبنا إليك.
ومجموعة أخرى من الفتيان والفتيات يتشاجرون ويتشاحنون، ويتبرأون من بعضهم البعض، ويتبادلون الاتهامات، ليتني لم أتخذ فلانًا خليلاً، لقد أضلني عن الدين والهدى، ليتني لم أصاحب فلانة، لقد سارت بي بعيدًا عن طريق الله..
وبسرعة أصبح الفتيان في مكان والفتيات في مكان، هدوء تام، فلا تلحظ اختلاطًا، ولا تجد مزاحًا فارغًا، ولا تسمع كلامًا خارجًا، أو ضحكاتٍ ماجنةً رنانةً، سبحان الله، الكل منتبه لتحصيل العلم!! وانطلق بي خيالي مرةً أخرى، فتصورت الحبيب- صلى الله عليه وسلم- يدخل إحدى المصالح الحكومية.. وبمجرد أن يشاهده الموظفون المرتشون يغلقون فورًا أدراجهم المليئة بالنقود الحرام، ويتبرأون منها، ويسارعون إلى تأدية مصالح الناس وتيسيرها لهم، وقد ألغوا من قاموسهم عبارة: (فوت علينا بكرة)، الكل يعمل بجد واجتهاد.
وتقوم (شلة الأنس) من الرجال والنساء فيلملمون سفرة الطعام المشتركة المفرودة على المكاتب، وتتوقف أحاديث الأزياء والمباريات والتمثيليات ومجالس الغيبة والنميمة، وإذا بالرؤساء قد أصبحوا في غاية التواضع والنصح للمرءوسين، وإذا بالمرءوسين قد خاصموا النفاق، وعلموا أن كل شيء بقدر الله عز وجل.
وفي إحدى المدارس علموا أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- سيزورهم.. فإذا بالمعلم المهمل الذي كان يُكرِه تلاميذه على الدروس الخصوصية، ولا يراعي خلقًا ولا دينًا ولا أمانة، قد أصبح- بمجرد أن سمع بالزيارة- صورةً مثاليةً للمعلم، المربي الفاضل، الذي يحمل رسالة الأنبياء بأمانة وعزم وإخلاص وجدية في نشر العلم، والتلاميذ صاروا يحترمون معلمهم، ويتأدبون معه، ويحرصون على طلب العلم، ويتنافسون فيه بجد.
أما الصورة الرائعة التي أثلجت صدري، فهي صورة الشارع الذي أصبح يسوده الهدوء والسكينة، فلا نسمع أصوات الأغاني الصاخبة، ولا الألفاظ النابية، وتوقف سبُّ الدين، والحلف الكاذب، والضحكات العالية، وأَغلقت المقاهي أبوابَها لمَّا لم تجدْلها روادًا؛ حيث تحول بعض روادها إلى المساجد ليجلسوا في حلقات العلم ليتأدبوا بأدب القرآن والسنة الشريفة، ويتعرفوا على سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأبرار، عسى أن يقتدوا بأحدهم فيفوزوا بسعادة الدارين.
وتحول البعض الآخر إلى السعي في الأرض لعمرانها، وإنجاز مصالح الإسلام والمسلمين، كلٌّ يعرف طريقَه، يقصده في غير عبث، وإذا بالتعاون والتكافل قد أصبحا سِمَتَين بارزتين في تعامل الناس مع بعضهما البعض، وإذا بالرجال والنساء يغضون أبصارهم، وإذا بالفتيات والنساء يسترن أجسادهن ويسِرْنَ في حياء واحتشام، وعندما ارتفع الأذان للصلاة، إذا بالجميع يلبون النداء في حماسة وخشوع، دقائق معدودة تُعطَّل فيها صور المعيشة لتقف القلوب أمام خالقها، تجدد إيمانها، وتغسل ذنوبها، ثم تعاود عملها في نشاط، وقد تعاهدت على الاستقامة والبعد عن الفحشاء والمنكر.
وبينما أنا في غمرة سعادتي بتأمل هذه المشاهد، سمعت نداء ابنتي الصغيرة: أمي.. أمي، لتوقظني من نومي، فتنبهتُ وعُدت إلى الواقع، وسألت نفسي..أليس النبي -صلى الله عليه وسلم- حياً بيننا؟؟ أليس حياً برسالته ودعوته ، أليس حياً بالقرآن الكريم الذي نزل عليه ، وكلماته الجامعة التي حوتها الكتب ، ومواقفه العظمى التي حكتها السير فلماذا لا يكون النبي حياً فينا؟؟؟؟؟؟