فضل الأدب

من كتاب " معجم الأدباء " لياقوت الحموي .

قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفاً أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله ، وكفى بالجهل خمولاً، أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه.
وقال رضي الله عنه: قيمة كل إنسان ما يحسن .
وقال كرم الله وجهه: كل شيء يعز إذا نزر، ما خلا العلم، فإنه يعز إذا غزر.
ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم، فقالوا: إنا قوم "متعلمين"، فأعرض مغضباً، وقال: والله لخطؤكم في لسانكم، أشد علي من خطئكم في رميكم.
وكان الحسن بن أبي الحسن يعثر لسانه بشيء من اللحن فيقول: استغفر الله. فقيل له فيه: فقال: من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءاً، وقال الله تعالى: "ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً".
وأنشد أبو حاتم سهل بن يحيى السجستاني:
إِنَّ الْجَوَاهِرَ دُرَّهَا وَنُضَـارَهَـا هُنَّ الْفِدَاءُ لِـجَـوْهَـرِ الآدَابِ
فَإِذَا اكْتَنَزْتَ أَوِ ادَّخَرْتَ ذَخِـيرَةً تَسْمُو بِزِينَتِهَا عَلَى الأَصْـحَـابِ
فَعَلَيْكَ بِالأَدَبِ الْمُـزَيِّنِ أَهْـلَـهُ كَيْمَا تَفُوزَ بِـبَـهْـجَةٍ وَثَـوَابِ
فَلَرُبَّ ذِي مَالٍ تَـرَاهُ مُـبَـعَّـداً كَالْكَلْبِ يَنْبَحُ مِن وَرَاءِ حِجَـابِ
وَتَرَى الأَدِيبَ وَإِنْ دَهَتْهُ خَصَاصَةٌ لاَ يُسْتَخَفُّ بِـهِ لَـدَى الأَتْـرَابِ
وَقَالَ آخَرُ:
مَا وَهَبَ اللهُ لامْرِئ هِـبَةً أَحْسَنَ مِنْ عَقْلِهِ وَمِنْ أَدَبِهْ
هُمَا جَمَالُ الْفَتَى فَإنْ فُقِدَا فَفَقْدُهُ لِلْحَيَاةِ أَجْمَـلُ بِـهْ

قالوا: والفرق بين الأديب والعالم، أن الأديب من يأخذ من كل شيء أحسنه فيألفه. والعالم من يقصد بفن من العلم فيعتلمه. ولذلك قال علي كرم الله وجهه: العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه.
وحدث سفيان قال: سمعت الخليل بن أحمد يقول: إذا أردت أن تعلم العلم لنفسك، فاجمع من كل شيء شيئاً، وإذا أردت أن تكون رأساً في العلم، فعليك بطريق واحد، ولذلك قال الشعبي: ما غلبني إلا ذو فن.
ويقال: من أراد السيادة، فعليه بأربع: العلم، والأدب، والعفة، والأمانة.
وقال أبو نواس: ما استكثر أحد من شيء إلا مله وثقل عليه، إلا الأدب، فإنه كلما استكثر منه، كان أشهى له، وأخف عليه.
وقال ابن السكيت: خذ من الأدب ما يعلق بالقلوب، وتشتهيه الآذان وخذ من النحو ما تقيم به الكلام، ودع الغوامض، وخذ من الشعر ما يشتمل على لطيف المعاني، واستكثر من أخبار الناس، وأقاويلهم وأحاديثهم، ولا تولعن بالغث منها.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل لمنذر بن واصل: كيف شهوتك للأدب? فقال: أسمع بالحرف منه لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم مثل ما تنعمت الأذان، قيل: وكيف طلبك له? قال: طلب المرأة المضلة ولدها، وليس لها غيره، قيل: وكيف حرصك عليه? قال: حرص الجموع المنوع على بلوغ لذته في المال.
قال الأصمعي: قال لي أعرابي: ما حرفتك? قلت: الأدب، قال: نعم الشيء، فعليك به، فإنه ينزل المملوك في حد الملوك.
ودخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون فقال: العجب، يلحنون ويربحون??
وقال الأصمعي: من حق من يقبسك علماً أن ترويه عنه.
وعن سعيد بن سلم قال: دخلت على الرشيد فبهرني هيبة وجمالاً فلما لحن خف في عيني .
وحدث التاريخي بإسناد رفعه إلى سلمة بن قتيبة قال: كنت عند ابن هبيرة الأكبر، قال: فجرى الحديث حتى ذكر العربية فقال: والله ما استوى رجلان دينهما واحد، وحسبهما واحد، ومروءتهما واحدة، أحدهما يلحن والآخر لا يلحن إن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن. قال: فقلت أصلح الله الأمير، هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته، أرأيت الآخرة ما باله فضل فيها، قال: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزله الله، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه، قال: قلت صدق الأمير وبر.
وحدّث عن أبي ثوابة عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه، قال: تكلم أبو جعفر المنصور في مجلس فيه أعرابي فلحن فصر الأعرابي أذنيه، فلحن مرة أخرى أعظم من الأولى، فقال الأعرابي: أف لهذا، ما هذا?. ثم تكلم فلحن الثالثة، فقال الأعرابي: أشهد لقد وليت هذا الأمر بقضاء وقدر

وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: تعلموا العلم شهراً، والأدب شهرين.
وقال رجل لبنيه: يا بني أصلحوا من ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه النائبة، يحتاج أن يتجمل فيها، فيستعير من أخيه دابة ومن صديقه ثوباً، ولا يجد من يعيره لساناً .

وحدث عن الأصمعي أنه قال: أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" لأنه لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه، ولحنت فقد كذبت عليه.
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أجموا هذه القلوب والتمسوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان.
قال ابن المقفع في كتابه في الأدب، "ثم انظر الأخبار الرائعة فتحفظ منها، فإن من شأن الإنسان الحرص على الأخبار، ولاسيما ما يرتاح له الناس، وأكثر الناس من يحدث بما يسمع، ولا يبالي ممن سمع، وذلك مفسدة للصدق، ومزراة بالرأي، فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدق، وألا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل".
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج، انظر لي رجلاً عالماً بالحلال والحرام، عارفاً بأشعار العرب وأخبارها، أستأنس به وأصيب عنده معرفة، فوجهه إلى من قبلك. فوجه إليه الشعبي، وكان أجمع أهل زمانه، قال الشعبي: فلم ألق والياً ولا سوقة إلا وهو يحتاج إلي، ولا أحتاج إليه ما خلا عبد الملك، ما أنشدته شعراً، ولا حدثته حديثاً، إلا وهو يزيدني فيه، وكنت ربما حدثته وفي يده اللقمة فأمسكها، فأقول: يا أمير المؤمنين أسغ طعامك، فإن الحديث من ورائه، فيقول: ما تحدثني به أوقع بقلبي من كل لذة، وأحلى من كل فائدة.