من حكم الإمام ابن حزم

من كتاب : مداواة النفوس " لابن حزم
• من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر وكغارس الشعراء حيث يزكو النخل والزيتون.
• من مال بطبعه إلى علم ما وإن كان أدنى من غيره فلا يشغلها بسواه فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند وكل ذلك لا ينجب.
• أجلُّ العلوم ما قربك من خالقك تعالى وما أعانك على الوصول إلى رضاه.
• العلوم الغامضة كالدواء القوي يصلح الأجساد القوية ويهلك الأجساد الضعيفة. وكذلك العلوم الغامضة. تزيد العقل القوي جودة وتصفية من كل آفة وتهلك ذا العقل الضعيف.
• وقف العقل عند أنه لا ينفع إن لم يؤيد بتوفيق في الدين أويسعد في الدنيا.
• لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون ويفسدون ويُقَدِّرون أنهم يصلحون.
• من فضل العلم والزهد في الدنيا أنهما لا يؤتيهما الله عز وجل إلا أهلهما ومستحقهما ومن نقص علو أحوال الدنيا من المال والصوت أن أكثر ما يقعان في غير أهلهما وفيمن لا يستحقهما.
• أول من يزهد في الغادر من غدر له الغادر ، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به ، وأول من تهون الزانية في عينه الذي يزني بها.
• كثرة وقوع العين على الشخص يسهِّل أمره و يهوِّنه.
• التهويل بلزوم زيٍّ ما ، والاكفهرار ، وقلة الانبساط : ستائر جعلها الجُهَّال الذين مكنتهم الدنيا أمام جهلهم.
• ثق بالمتدين وإن كان على غير دينك ولا تثق بالمستخف وإن أظهر أنه على دينك.
• وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم. هذا شيء طال اختباري إياه ولم أجد قط على طول التجربة سواه فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدَّرت أنها طبيعة في البشر.
• لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته:
o إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله .
o والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس ، أو أن يسيء في وجهٍ ما لأنه قد أساء في غيره . فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً مسهلتين للشر ومدخلتين له في حد ما يُعرَف ويُحمَل ولا يُنكَر.
• حد العدل : أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه. وحد الجور أن تأخذه ولا تعطيه.
• لو علم الناقص نقصه لكان كاملاً.
• العتاب للصديق كالسبك للسبيكة فأما تصفو وإما تطير.
• من طوى من إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخونُ لكَ ممن أفشى سرَّك ، لأن من أفشى سرك فإنما خانك فقط ، ومن طوى سرَّه دونك منهم فقد خانك واستخونك.
• وأنا أعلمك أن بعض من خالصني المودة وأصفاني إياها غاية الصفاء في حال الشدة والرخاء والسعة والضيق والغضب والرضى تغير علي أقبح تغير بعد اثني عشر عاماً متصلة في غاية الصفاء ولسبب لطيف جداً ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من الناس وما صلح لي بعدها ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة هماً شديداً.
• كانت فيَّ عيوب ، فلم أزل بالرياضة واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه. وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها ليتعظ بذلك متعظ يوماً إن شاء الله.
• فمنها : كَلَفٌ في الرضاء ، وإفراط في الغضب . فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جُملةً بالكلام والفعل والتخبط ، وامتنعت مما لا يَحِلُّ من الانتصار ، وتحمَّلت من ذلك ثقلاً شديداً ، وصبرت على مَضضٍ مؤلمٍ كان ربما أمرضني . وأعجزني ذلك في الرضا وكأني سامحت نفسي في ذلك لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤم.
• ومنها دعابة غالبة : فالذي قدرت عليه فيها : إمساكي عما يُغضِبُ الممازح ، وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهياً للكبر.
• ومنها عُجبٌ شديد : فناظَر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها ، حتى ذهب كُلُّه ، ولم يبق له - والحمد لله - أثرٌ ، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع.
• ومنها : حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الإغضاء ، فقصرت نفسي على تركها فذهبت.
• ومنها : محبةٌ في بُعدِ الصيتِ والغَلَبة ؛ فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء : الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة ، والله المستعان على الباقي . مع أن ظهور النفس الغضبية إذا كانت منقادةً للناطقة فضلٌ وخلقٌ محمود.
• ومنها إفراط في الأنَفَةِ بغَّضَت إليَّ إنكاح الحُرَمِ جملةً بِكُلِّ وجهٍ ، وصعَّبَت ذلك في طبيعتي ، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الإفراط الذي أعرف قبحَه لعوارض اعترضت علي . والله المستعان.
• ومنها : عيبان قد سترهما الله تعالى وأعان على مقاومتهما وأعان بلطفه عليهما فذهب أحدهما البتة ، ولله الحمد ، وكأن السعادة كانت موكَّلةً بي فإذا لاح منه طالع قصدت طمسه ، وطاولني الثاني منهما ؛ فكان إذا ثارت منه مدوده نبضت عروقه ، فيكاد يظهر ، ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه تعالى حتى أخلد.
• ومنها : حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره وغلبته على إظهار جميع نتائجه ، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه ، وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوةً صحيحةً أبداً.
• وأما سوء الظن فيعده قوم عيباً على الإطلاق ، وليس كذلك إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل . وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من أني لا أبالي فيما أعتقده حقاً عن مخالفة من خالفته ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض ، وإني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه لغير معنى ، فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها ، ولعمري لو لم تكن فيَّ - وأعوذ بالله - لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي عز وجل ، وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي ، فلن ينفعه اتباعه الناسَ في الباطل والفضول إذا أسخط ربه تعالى وغبن عقله ، أو آلم نفسه وجسده ، وتكلَّف مؤونةً لا فائدةً فيها.
• وقد عابني أيضاً بعض من غاب عن معرفة الحقائق أني لا آلم لنيلِ من نال مني ، وأني أتعدى ذلك من نفسي إلى إخواني فلا أمتعض لهم إذا نيل منهم بحضرتي وأنا أقول إن من وصفني بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره والكلام إذا أجمل أندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن. ألا ترى لو أن قائلاً قال: إن فلاناً يطأ أخته لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال: هي أخته في الإسلام ظهر فحشُ هذا الإجمال وقبحه.
• وأما أنا فإني إن قلت : لا آلمُ لنيل من نال مني لم أصدق . فالألم في ذلك مطبوعٌ مجبولٌ في البشر كلهم ، لكني قد قصرت نفسي على أن لا أظهر لذلك غضباً ولا تخبطاً ولا تهيجاً ، فإن تيسر لي الإمساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي أعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته ، وإن بادرني الأمر لم أقارض إلا وبالجملة فإني كاره لهذا إلا لضرورة داعية إليه مما أرجو به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل إليَّ ، إذ أكثر الناس محبون لإسماع المكروه من يسمعونه إياه عن ألسنة غيرهم ولا شيء أقدع لهم من هذا الوجه ، فإنهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء لا يفيد إلا إفساد الضمائر وإدخال التمائم فقط.
• ثم بعد هذا فإن النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:
o إما أن يكون كاذباً
o وإما أن يكون صادقاً.
• فإن كان كاذباً فلقد عجَّل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في جملة أهل الكذب وبأن نبَّه على فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه بريء العرض ، وما يعلم أكثر السامعين له كذبه ؛ إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال.
• وإن كان صادقاً فإنه لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه: إما أن أكون شاركته في أمرٍ استرحت إليه استراحةَ المرء إلى من يقدر فيه ثقةً وأمانةً فهذا أسوأ الناس حالة ، وكفى به سقوطاً وضعة.
• وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيباً فقد كفاني جهلُه شأنَه ، وهو المعيب لا من عاب .
• وأما أن يكون عابني بعيب هو فيَّ على الحقيقة وعلم مني نقصاً أطلق به لسانه فإن كان صادقاً فنفسي أحق بأن ألوم منه وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق.
• وأما أمر إخواني ؛ فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم ، لكني أمتعض امتعاضاً رقيقاً لا أزيد فيه أن أُنَدِّم القائل منهم بحضرتي ، وأجعله يتذمم ويعتذر ويخجل ويتنصل ، وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس وأنَّ نظر المرء في أمر نفسه والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس ، وبأن أذكر فضل صديقي فأبكِّته على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة ، وأن أقول إنه لا يرضى بذلك فيك فهو أولى بالكرم منك فلا ترض لنفسك بهذا أو نحو هذا من القول.
• وأما أن أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه فينبعث منه في صديقي أضعاف ما أكره ؛ فأنا الجاني حينئذ على صديقي والمعرض له بقبيح السب ، وتكراره فيه ، وإسماعه من لم يسمعه ، والإغراء به ، وربما كنت أيضاً في ذلك جانباً على نفسي ما لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي من إسماعي الجفاء والمكروه ، وأنا لا أريد من صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت فإن تعدى ذلك إلى أن يساب النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف النيل ، وأن يتعدى أيضاً إليه بقبيح المواجهة ، وربما إلى أبويّ وأبويه على قدر سفه النائل ومنزلته من البذاءة وربما كانت منازعةً بالأيدي فأنا مستنقص لفعله في ذلك ، زارٍ عليه متظلم منه ، غير شاكر له. لكني ألومه على ذلك أشد اللوم ، وبالله تعالى التوفيق.
• وذمني أيضاً بعض من تعسف الأمور دون تحقيق بأني أضيع مالي وهذه جملة بيانها: أني لا أضيع منه إلا ما كان في حفظه نقص ديني ، أو إخلاق عرضي ، أو إتعاب نفسي . فإني أرى الذي أحفظ من هذه الثلاثة - وإن قلَّ - أجلّ في العوض مما يضيع من مالي ، ولو أنه كل ما ذرت عليه الشمس.
• ووجدت أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه ، وعلى الحق وإيثاره ، فما استعنت على قمع هذه الطوالع الفاسدة وعلى كل خيرٍ في الدين والدنيا إلا بما في قوتي من ذلك . ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
وأما من طبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم واستخفافه فلييأس من أن يصلح نفسه ، أو يقوِّم طباعه أبداً ، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود.
• وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها بطبعي قط وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها والحمد لله رب العالمين.


من نحن
الاستشارات
ابحث
المشرف المشرف
داء ودواء داء ودواء
تطوير ذات تطوير ذات
أبناء وبنات أبناء وبنات
حياة زوجية حياة زوجية
معارف معارف
شخصيات شخصيات
كتاب كتاب
واحة واحة
الصيدلية
استكشف نفسك
المستشارون
دليل المختصين
تصويت
برنامج بر الأمان
منتدى النجاح

الآن قد تستطيع مساعدة نفسك... قد تستطيع التخلص من الخجل... قد تقضي على الرهاب الاجتماعي...

كتاب صناعة النجاح . تأليف أ.د /عبد الله السبيعي