عائشة عبد الرحمن
خطوت في بطء إلى سور الباخرة ، أحدق في البحر الممتد أمامي إلى غير حد ، أملأ صدري من هوائه البارد الصافي ، وفي وقفتي تلك تناهت إلى سمعي ضحكتها عالية رنانة مختلطة بقهقهة الرفاق ، فأصغيت إليها حزينة أتألم!
ذلك لأني افتقدت فيها فتاة كنت أعرفها منذ أعوام ، غضة الشباب ذكية الملامح جمة الحياء ، تخطو خطواتها الأولى في الميدان الأدبي ، طامحة متطلعة ، سعت إليَّ بدار الأهرام ذات صباح ، متعثرة الخطوات وأهدتني- على غير معرفة سابقة- كتابها الأول ، ووجها الباسم مخضب بحمرة خفيفة من الصبا والخفر ، ورجت في صوت خافت عذب أن تجد لدي من التوجيه والنصح ما يثبت قدمها في الميدان الذي سبقتها إليه . فابتسمت لها ، ثم عكفت ليلتي تلك على قراءة كتابها فطالعتني منه باكورة طيبة تبشر بنجاح . وأصبح الصبح فإذا القلم في يدي يسجل لها كلمة تشجيع قدمتها بها إلى قراءة الأهرام..
ثم غابت عني بعد ذاك في زحمة الحياة فلم أدر ما إذا كان شيء قد عوق سيرها في الطريق المرجو؟ أم أنها تكافح مصاعب البداية ، ولن تلبث أن تبدو من بين هذه الغمرات متألقة ساطعة أملاً وثقة وتفاؤلاً ، وقد بدت بعد عامين ..جاءتني تحمل مخطوطاً لها وسألتني بصوت عالي النبرات أن أكتب كلمة: تطبع مع المقدمة. ثم انصرفت على عجل ، وثابة الخطوات سريعة الحركة وأنا أرنو إليها صامتة وقد خيل إلى أن شيئا فيها قد تغير ..وقد بدت في عيني كما لو كانت قد كبرت في هذين العامين عشر سنين! هل كان ذلك لأنها استبدلت بتورد الخفر والصبا حمرة الألوان والأصباغ؟ أو كان لأن مسيرها في الطريق الذي كانت تشفق منه قد أكسبها جرأة لم تبق لها على شيء من تعثر الخطوات ، وهمس الصوت ، وملامح الحداثة؟!
ربما..
وتناولت المخطوط أقلب فيه فإذا به مصدر بثلاث قصائد نظمها بعض الشعراء في الإعجاب بالفجر البازغ والنجم الساطع ، ثم كلمتين لاثنين من كتابنا المشهورين يحييان الأديبة الموهوبة..وبعدهما خواطر للأديبة الشابة طليقة جريئة عن الحب والحياة..
قلت لها وأنا أعيد إليها المخطوط:
ما أكثر من عرفت من الشعراء والأدباء في تلك الفترة القصيرة؟
فأجابت باعتزاز ظاهر: إنهم يقدرون مواهبي ، ويبشرونني بتفوق باهر ينتظرني في مستقبل قريب . أرجو أن تكون خواطري قد أعجبتك فأجبتها نصف مشفقة نصف مشجعة : لم تعودي في حاجة إلى إعجاب مثلي ، بعد أن شهد لك هؤلاء جميعاً ، غير أن لي إليك نصيحة : لا تتعجلي هذا المستقبل الموعود ، وليكن سبيلك إليه ، العمل المضني والجهاد المتصل والكفاح الدائب لا إعجاب المعجبين ، وتملق المادحين..
قالت وفي لهجتها نبرة استخفاف مشوب بالتهكم :
سأعمل بنصيحتك....
...
ولم أرها بعد ذاك وإن ترامت بعض أنبائها إليَّ: فهي جمة النشاط جريئة ، كثيرة التنقل ، تغشى النوادي والمجتمعات ، وتختلط بالأدباء والشعراء ، وتندمج في هذه وتلك محوطة بالإعجاب .
وكنت أبعد الناس عن هذه المجتمعات ، إذ كانت شخصيتي لا تنسجم معها ، كما كانت شواغل الدرس والعمل تزهدني فيها وتصرفني عنها . غير أني كنت أقرأ للأديبة من حين إلى حين ، مقالات وقصصاً وأحاديث في المجلات ، وقد عجبت للشابة الأديبة كيف أمضت السنوات الطوال وهي حيث هي على السفح لا تبلغ الأعالي ولا ترتفع نحو القمةّ.. لقد كتبت كثيراً وتنقلت من هنا إلى هناك موعودة بالشهرة حالمة بالمجد ، لكنها ظلت مع ذلك ، مغمورة منطفئة ، تحمل ثمرات قلمها وتطوف بها على المطابع ومجلات الدرجة الثانية والثالثة..وكنت أعثر مصادفة على بعض المجلات ، فأقرأ ما تكتب الأديبة وبي عجب من خمولها فما كان يعوزها جمال الأسلوب وسعة الخيال وحسن الصياغة وأناقة اللفظ ، لكني ما لبثت أن أحسست أن الحيوية تتسرب شيئاً فشيئاً من قلمها وأن الإشراق يتلاشى رويداً رويداً من كتابتها..وطالما سألت نفسي: ألا تشعر المسكينة أنها سوف تخسر معركتها إن لم تكافح لتسترد بعض حيويتها الخاملة وإشراقها الغارب؟
وسرعان ما كنت أجد الجواب إذ أقرأ في بعض المجالات من حين إلى حين قصائد منظومة في الكوكب الساطع والشمس المضيئة وفي تمجيد آيات الإبداع التي تصوغها ( الأنامل الساحرة) وكان لهذه القصائد في مسمعي وقع النعي فكأنها تشيع أديبة مرجوة جنى عليها المعجبون وعجل بنهايتها استبطاء النجاح..
ثم كان هذا اللقاء على ظهر الباخرة..وحين ألقيت تحيتها علي خيل لي أن في صوتها نبرة حزن مكتوم فزايلني كل ما كنت أشعر نحوها من صدود وأقبلت عليها أسائلها عن جديد ثمارها الأدبية..
قالت : كثيرة ، ورائعة! لكنها مع الأسف منحوسة الحظ ، محرومة من حقها في مكان بارز من كبريات الصحف والمجلات..
فسألتها: وهل تعرفين لهذا الحرمان سبباً؟
فهزت رأسها قائلة:
- أبدا أبداً ، وإن كنت موقنة أن صحافتنا- ككل شيء عندنا- مسيرة بالأهواء والأغراض ، وأن النجاح فيها رهن بأي شيء إلا المواهب والإبداع... دعينا من هذا الآن فإني أعلم أنه سوف يأتي يوم قريب يفرضني على الذين زهدوا في ...فهلا حدثتني عن حياتك الأدبية والعلمية ، وسر نجاحك فيها.
قلت مستدركة:
- ما تزال أمامي مراحل شاقة وطويلة ، دون النجاح الذي أرجوه ، وإني لأكافح لكي أقطع الدرب الطويل الوعر ، وعسى أن أبلغ الميسور لي.
- فعجبت الأدبية الشابة لما سمعت ، وسألت في دهشة:
- أكان الكفاح وحده سلاحك في المعركة ، ودليلك فيما قطعت من الطريق؟ أولم تلقي من يأخذ بيدك ويشق لك الطريق ، ويفسح أمامك المجال؟
قلت في تأكيد:
- لقيت يا سيدتي من علمني أن الأمل بغير عمل سراب ..وأن الاتكال على الحظ والصدفة ومعونة الغير عبث ، وأن الكفر بالموازين الصحيحة والشك في القيم الثابتة مضيعة وخسران...وأن الموهبة وحدها لا تكفي لبلوغ الغاية ، إن لم يؤازرها طموح نبيل وجهد مبذول.
فبدا عليها الضيق مما أقول ، وهمت بالانصراف عني ثم عادت تسألني ، فأي الدروس تعلمت؟
أجبت تعلمت أن طريق الفتاة في ميدان الحياة العامة أشبه شيء بجسر ضيق معلق ، إن انحرفت عنه قيد شعرة سقطت في الهاوية..
فظللت وجهها سحابة من كآبة وشحوب ، ثم استأذنت مودعة وولت مدبرة ولم تعقب..
...
كان ذلك منذ خمسة أعوام ، غابت عني فلم أعلم من أخبارها سوى شائعات متناثرة تنبئ بأنها قد صارت مادة تقدمها بعض المجلات إلى قرائها ، وتنسج حولها من القصص ما يثير..