مفهوم الاعتكاف :
الاعتكاف باللغة : لزوم الشيء ، وحبس النفس عليه وبالشرع:المقام بالمسجد من شخص مخصوص ، على صفة مخصوصة ، لطاعة الله تعالى .
والاعتكاف مشروع بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع ، ففي الكتاب قوله تعالى : (( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )) وأما بالسنة وآثار الصحابة فهي معروفة مشهورة ، ونقل الإجماع على مشروعيته كثير من العلماء منهم ابن المنذر في كتابه الإجماع وابن حزم في مراتب الإجماع وغيره .
وأما فضل الاعتكاف فلم يرد فيه شيء وسئل ابوداود الإمام أحمد فقال : (( قلت لأحمد تعرف في فضل الاعتكاف شيئا ؟ : "قال لا إلا شيئا ضعيفا " وكره بعض العلماء الاعتكاف عموما ، وبعضهم كرهه للنساء وهذه كراهة مخالفة لما جاء عن الجيل الأول .
وقد اختلف العلماء في أقل زمن يجب على المعتكف فيه وأكثره ، وأقرب هذه الأقوال في أقل زمن للمعتكف هو ليلة ( من قبل المغرب إلى الفجر ) أو يوم(من قبل الفجر إلى المغرب ) ، لحديث عمر أنه نذر أن يعتكف ليلة بالمسجد الحرام فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأما أكثر فليس له مدة محددة .
ويتأكد الاعتكاف في رمضان ، ويتأكد تأكدا في العشر الأواخر ، لتكرار فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ولم يتركه صلى الله عليه وسلم ، وهنا يتبين فضل الاعتكاف ، حيث عرف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل السنن ويتركها أحيانا لكي لا يعتقد بعض الناس إيجاب هذه السنة فيكون هناك حرج على الأمة.
وللاعتكاف شروط يهمنا منها فى هذا السياق يلي:
الإسلام والتمييز: فلا تصح من صبي غير مميز.
المسجد الجامع: فلا يصح الاعتكاف في البيت، ولا في المسجد الذي لا تقام فيه صلاة الجماعة.
الصوم: سواء كان الاعتكاف واجبا او مسنونا، لقول عائشة رضي الله عنها: 'السنة على المعتكف ألا يعود مريضا ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع'.
ويستحب للمعتكف الإكثار من الذكر والصلاة، وتلاوة القرآن، وقراءة كتب العلم. ويستحب له أخذ ما يلزمه من ثياب وطعام، حتى لا يضطر إلى الخروج من المسجد. ويستحب ان لا يتكلم الا بخير، فيأمر بمعروف أو ينهى عن منكر.
ويستحب ان يختار أفضل المساجد كالمسجد الحرام، وان يختار أفضل الأيام كالعشر الأواخر من رمضان، واذا اعتكف العشر الأواخر من رمضان، أو كان اعتكافه ينتهي عند آخر يوم من رمضان، يستحب له ان يظل ليلة العيد معتكفا في المسجد ليخرج من معتكفه إلى المصلى فيصل عبادة بعبادة
ويقول الشيخ ابن عثيمين فى موقع اسلام أون لاين: إن الاعتكاف من الأمور المسنونة، وطلب العلم أفضل من الاعتكاف، فلو دار الأمر بين أن أعتكف أو أن أطلب العلم قلنا: اطلب العلم، يعني: الاعتكاف من الأمور المسنونة ليس من الأمور الواجبة،بل إن بعض العلماء نفى أن يكون مسنوناً، وقال: إن الاعتكاف مضى زمنه لكن هذا القول ضعيف لا شك فيه. بل قد حكى بعض العلماء الإجماع على أن الاعتكاف مسنون، لكنه لا يجب الاعتكاف إلا بالنذر، من نذر اعتكافاً وجب عليه.
وإذا كان من الأمور المسنونة فإن قيام الإنسان بالواجب أفضل من اعتكافه، وإن طلبه للعلم أفضل من اعتكافه، وعلى هذا فمن كان في وظيفة فقيامه بالوظيفة أفضل من اعتكافه، ومن كان طالب علم فقيامه بطلب العلم أفضل من الاعتكاف.
ونجد أن هذه الرؤية لفضيلته هى رؤية متعمقة تتجاوز الشكل وتذهب مباشرة الى الجوهر الانسانى الحق الذى جاء الاسلام ليعمقه ويفصله ويربيه فى نفوس أتباعه . ولأن الاعتكاف لا يجوز الا فى المسجد الجامع الذى تقام فيه صلاة الجماعة ، دون الزوايا وأماكن العبادة الأخرى فى البيوت والمتاجر ، فإن لهذا مغزاه الذى غاب عنا ونحن نكتفى من العبادة بالطقس ، ودون أن نتعمق المغزى والمضمون . فالاعتكاف ليس كما هو شائع انقطاع عن شئون الدنيا وانشغال فقط بالعبادة والذكر طلبا لثواب الآخرة ، بالمعنى الضيق . لأن اصلاح حال الناس ، وحل مشاكلهم وفك أزماتهم ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكرات واتسامهم بأخلاق الاسلام فى المعاملات كالصدق والأمانة والإخلاص والوفاء بالوعد ، والجود ، خاصة على الفئات محدودة الدخل والتى فصلها القرآن الكريم والسنة النبوية واتقان العمل واعطائه ما بستحقه من وقت وجهد وتفكير والامتناع التام عن الغش والتدليس ، وتجاوز حرمات الله ، كلها عبادة ، بل وهى من أفضل العبادات التى تقرب الإنسان من خالقه يثيبه عليها فهو كما وعدهم عنده سبحانه حسن الثواب .
ولأن الاعتكاف لا يصح الا فى مسجد جامع يؤمه المصلون خمس مرات فى اليوم ، فإن معنى ذلك هو عدم انعزال المعتكف عن شئون حياة المسلمين ، بل هو ابتعاد للتأمل ، ولتتسع زاوية الرؤية لديه ، هو كابتعاد المفكر أو العالم لانشغاله بمسألة أو بقضية تهم جموع المسلمين لكنها تحناج الى تأمل وامعان فكر فيبتعد اراديا عما يشغله عن التركيز أو يشتت انتباهه . لكنه من موقع الاعتكاف يرى ويسمع ، ويتخلص طاهراً نقياً متجرداً من شهواته ، ممتنعاً بمحض ارادته عن أمور تحل له ، ليكون متفرغا ، منشغلا بما هو أهم ، بما يعلى من قدره كمتعبد لله ، ومايقربه من إخوانه فى الله .
الاعتكاف اذَاً دورة تدريبية مكثفة للمسلم تعقد فى أفضل بقاع الأرض ، وأحبها عند الله سبحانه وتعالى ، يزامله فيها من يؤمن بالله وباليوم الآخر ، ومنهجها هو منهج الخير للدنيا وللدين ، الدنيا باعتبارها مزعة الآخرة ، يتدرب فيها الزارع على انتقاء أفضل السلالات من البذور ، ويتدرب على وسائل الرعاية المتقدمة ، ويتابع نضوج الثمار ويمرس نفسه على الجنى الطيب .
مكان هذه الدورة هو المسجد الجامع ، وأفضل توقيت لها هو العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم .
أما الجمهور المستهدف فهو المسلم العاقل المميز الصائم المنقطع عن شهوات الجنس وعن كل ما حرمه الله صراحة أو ضمنا ، وتتطلب هذه الدورة التفرغ الكامل ، حتى تتم الفائدة المرجوة من التحصيل ، والاستيعاب للمعانى والمفاهيم العظيمة التى تستهدف غرسها وتربية المسلم عليها .
مكان انعقاد الدورة هو المسجد ، والمسجد الجامع وقد جعل الله المسجد مباركاً، والبركة هي الخير الكثير الذي فيه المنافع والمصالح للناس، ما يعني أن المسجد لا يقتصر دوره على العبادة، بل يتسع لكل منافع الناس، سواء كانت علمية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك من الأمور المتصلة بحياة الناس العامة. وفي ضوء ذلك كان المسجد يلعب دوراً ريادياً في الاسلام ففيه الملتقى الروحي للناس، فيعبدون الله فيه ويتعلمون العلوم النافعة لهم في دينهم ودنياهم، ويجتمعون فيه للتداول في أمورهم الداخلية والخارجية، فكانت تنطلق من منابره التوجيهات والتخطيطات المتعلقة بتنظيم حياتهم كما تنطلق منها صيحات الجهاد. وسارت حياة المسلمين في مساجدهم على هذا الخط، بحيث جسّدت المفهوم الإسلامي للعبادة التي تنفتح على الله سبحانه، لينفتح الناس من خلال ذلك على الحياة من مواقعها المضيئة المتحركة في سبيل الخير.
وللحديث بقية ولكن آمل مشاركتكم بالرأى والرؤى وفقكم الله وإيانا الى ما يحب ويرضى .